تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ
، فأظهر محمد صلى اللّه عليه وسلم من نفسه صدق اللجوء بصدق الفاقة بين يديه ، وبصدق اللجوء تزينت الأسرار . وقال فارس : السلطان ها هنا سلطان على نفسه بقمع هواه ، فيلزم جميعها بشاهد الهيبة ، فيهلك نفسه بسلطان الوحدانية ، وينصر على عدوه بحسن نظر اللّه له في معاونته ، وحمله عن رؤية هواه . وقال سهل : لسانا ينطلق عنك ، ولا ينطلق عن غيرك ، فأجاب اللّه دعوته ، وقال :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
[ النجم : 3 ] . وقال جعفر عليه السلام : حقيقة الفاقة صدق استقامة المدخل فاقة العبودية ، والمخرج سعة الربوبية . وقال الأستاذ : إدخال الصدق أن يكون دخوله في الأشياء باللّه للّه لا لغيره ، وإخراج الصدق أن يكون خروجه عن الأشياء باللّه للّه لا لغيره .
وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً
حتى لا ألحظ دخولي ولا خروجي ، فلما استقام النبي صلى اللّه عليه وسلم في جميع المعاني أمره الحق أن يخبر الخلق بأنّ الحق قد ظهر ظهورا لا شكوك فيه ، وارتفع الإبهام والظلام .

[ تفسير الآية 81 ]

وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
الحق هو الحق جلّ وعزّ ، والباطل الكون ، والحق العلم ، والباطل الجهل ، والحق المعرفة ، والباطل النفس والهوى ، والحق ما بدا من نور تجلي الحق وإلهامه ، والباطل هواجس النفس ووساوس الشيطان ، فإذا بدت أنوار سلطان بداهة المكاشفة تنمحي آثار النفس وإلقاء العدو . وقال فارس : الحق ما يحملك على سبيل الحقيقة ، والباطل ما يشق عليك أمرك ، ويفرق عليك وقتك . ويقال : الحق من الخواطر ما دعي إلى اللّه ، والباطل ما دعي إلى غير اللّه ، ومن الحق ما جاء .
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
اعلم أن الصلاة على خمسة أقسام : صلاة المواصلة والمناغاة في مقام الخفاء ، وصلاة الشهود في مقام الروح ، وصلاة المناجاة في مقام السر ، وصلاة الحضور في مقام القلب ، وصلاة المطاوعة والانقياد في مقام النفس ، فدلوك الشمس هو علامة زوال شمس الوحدة عن الاستواء على وجود العبد بالفناء والمحض ، فإنه لا صلاة في حالة الاستواء ؛ إذ الصلاة عمل يستدعى وجودا ، وفي هذه الحالة لا وجود للعبد حتى يصلى كما ذكر في تأويل قوله :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 )
[ الحجر : 99 ] .