من معرفة الإلوهية ، وهكذا حال من خرج من عنده الأسد إذا كان في أجمة ، لكن تفحّص حاله عند الأسد .
قوله تعالى :
فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً
وإذا رجعنا إلى حال العبودية فإنّ صدق المعرفة هناك الاستقامة فيها ، والتساوي في رؤية النعماء والبلوى .
قال ابن عطاء : ليس بخالص للّه من لا يكون في حاله الرجاء مع اللّه كحال الشدة ، ومن يلتجئ إلى غيره في أحوال الشدائد ، وهو من العبيد السوء الذي لا يقوّمه إلا الأدب .
[ تفسير الآية 70 ]
قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
كرامته سابقة على كون الخلق جميعا ؛ لأنها من صفاته واختياره ومشيئته الأولية ؛ أوجد الخلق برحمته ، وخلق آدم وذريته بكرامته الخلق كلهم في حيز الكرامة الرحمة للعموم والكرامة للخصوص ، خلق الكل آدم وذريته وخلق آدم وذريته لنفسه ؛ لذلك قال :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
[ طه : 41 ] جعل آدم عليه السلام خليفته ، وجعل ذريته خلفاء أبيهم ، الملائكة والجن في خدمتهم ، والأمر والنهي والخطاب معهم ، والكتاب الذي أنزل إليهم ، والجنة والنار والسماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم وجميع الآيات خلق لهم ، والخلق كلهم طفيل لهم .
ألا ترى يقول لحبيبه صلى اللّه عليه وسلم : « لولاك لما خلقت الكون » « 1 » .
ومن
بَنِي آدَمَ
بالنطق والتمييز ، والعقل والمعرفة .
وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
أي : يسّرنا لهم أسباب المعاش ، والمعاد بالسير في طلبها فيهما ، وتحصيلها .
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
أي : المركبات التي لم ترزق غيرهم من المخلوقات .
وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
أي : ما عدا الذوات المقدسة من الملأ الأعلى .
وأما أفضلية بعض الناس كالأنبياء على الملائكة المقربين فليست من جهة كونهم بني آدم ، فإنهم من تلك الحيثية لا يتجاوزن مقام العقل ؛ بل من جهة السر المودعة فيهم المشار إليه بقوله :
قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 )
[ البقرة : 30 ] ، وهو ما أعد لذلك البعض من المعرفة الإلهية التامة بواسطة الجمعية التي فيه أي : مقام الوحدة ، وحينئذ ليس هو بهذا
هامش
( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 5 / 227 ) بنحوه .