الحقيقة حسن المعرفة باللّه .
[ تفسير الآية 59 ]
قوله تعالى :
وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
الكرامات للنفوس على مرتبتين :
الأولى : لها لطمأنينتها في إيمانها باللّه ، والأخرى : لها لامتناعها عن معصية اللّه ، رؤية آيات العظمة للنفس تخويف ، وللعقل تحذير ، وللقلب خشية ، وللروح ترويح واستئناس ، وللسر إجلال وتعظيم ، ولسر السر معرفة وتوحيد ويقين ، وشاهده الذات بعد الصفة .
قال الحارث المحاسبي : الآيات التي يظهرها اللّه في عباده رحمة على السابقين ، وتنبيه للمقتصدين ، وتخويف للعاصين .
سئل أحمد بن حنبل عن هذه الآيات :
وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
؟ قال :
موعظة وتحذيرا ، والآيات هي الشباب والكهولة والشيبة ، وتقلب الأحوال بك لعلك تتغير بحال أو تتعظ في وقت .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 64 إلى 70 ]
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 64 ) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ( 65 ) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 66 ) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ( 67 ) أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً ( 68 )
أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً ( 69 ) وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً ( 70 )
[ تفسير الآية 64 ]
وَاسْتَفْزِزْ
إلى آخره تمكن الشيطان من إغواء العباد على أقسام ؛ لأن الاستعدادات متفاوتة ، فمن كان ضعيف الاستعداد استفزه أي : استخفه بصوته يكفيه ، وسوسه وهمس بل هاجسه ، ولمه .
[ تفسير الآية 67 ]
قوله تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
إشارة الحقيقة مع العارف إذا وقع في بحر الديمومية والأزلية ، واستغرق في طوفان الأولية ، وفني في سطوات الألوهية ، تبرأ مما له من الكرامات ، والولايات ، والفراسات ، والمقامات ، والحالات ، والمكاشفات ، والمعارف ، ودعاوي الاتحاد والاتصاف ، ويلتجئ منه إليه ، فلما خرج من تلك الأحوال الرفيعة إلى مقاماته الشريفة رجع إلى رؤية الأحوال والمقامات ، فيدّعي ما كان مدّعيا