تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً
بيّن سبحانه أنه أعلم بما أعطى ملائكته في السماوات من مقام الخوف والعبودية ، واختار لهم شرف القربة ، وفضّل بعضهم على بعض في الذكر والتسبيح والعبادة والخوف والخشية ، وهو أعلم بما هو أعطى من في الأرض من الشريعة والطريقة والحقيقة ، وفضّل بعضهم على بعض في مراسم السلوك ، وأعطى الشريعة للعموم ، والطريقة للخصوص ، والحقيقة لخصوص الخصوص ، فلمّا تم نظم الولاية رقى الأمر إلى درجات النبوة ، فأعطى المرسلين خبر غيب الغيب ، وأعطى النبيين خبر الغيب ، وكشف جميع مراتب القربة ، وأدارهم في ملكوته بالهمم ، وسيرهم في ميادين جبروته بالأرواح والأسرار ، وفضّل بعضهم على بعض في الدنو ودنو الدنو ، والتجلّي والتدلي والكلام والخطاب والمعارف والكواشف ، فبعضهم أهل رؤية القدم وخبره ، وبعضهم أهل رؤية البقاء وخبره ، وبعضهم أهل رؤية الصفات وعلمها ، وبعضهم أهل رؤية الذات ومعرفته ، فهؤلاء أهل الأول والاخر والظاهر والباطن ، قال تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[ الحديد : 3 ] ، فأهل القدم أهل الأول ، وأهل البقاء أهل الاخر ، وأهل الصفات أهل الظاهر ، وأهل الذات أهل الباطن ، فاصطفى آدم عليه السلام بعلم الأسماء والنعوت ، ومباشرة الصفة ، وتجلي الذات ، فصار في محل عين الجمع ، لقوله عليه السلام : « خلق اللّه آدم عليه السلام على صورته » « 1 » ، واصطفى نوحا عليه السلام بالسلطنة والمعجزة وإجابة الدعوة ، واصطفى الخليل عليه السلام بالخلّة والسماع ومقام الالتباس ؛ حيث قال :
هذا رَبِّي
[ الأنعام : 76 ] ، وإفراد القدم عن الحدوث بقوله :
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
[ الأنعام : 78 ] ، واصطفى موسى عليه السلام بالخطاب الأصلي وسماع الكلام الأزلي والتجلّي ، واصطفى عيسى عليه السلام بدرجة القدس ، وجعله روح القدس من كلمته العلية الأزلية ، واصطفى داود عليه السلام بالزبور ، والذي فيه بناء الذات والصفات ، وأعطاه مقام العشق وحسن الصوت الذي من مزامير الصفات وألحان بلابل القدم ، واصطفى سليمان عليه السلام بالملك والتمكين ، واصطفى يوسف عليه السلام بكسوة حسن جماله الذي أشرق في وجهه من طلوع صبح الصفة في عالم الفعل ، واصطفى محمدا صلى اللّه عليه وسلم بجميع ما أعطاه إياهم ، وخصّه بالمعراج ، والدين ، والتجلّي ، والتدلي ، والمحبة الكبرى ، والمجلس الأعلى ، والمقام الأدنى ؛ فكان قاب قوسين أو أدنى ، فرمى بقوس الأزل ما وهبه اللّه إلى الجمهور ، ورمى من قوس الأبد ما وهبه اللّه له ، فبقي بين القوسين بعد ذهاب الكونين ، فصار هدنا بقوس قاب قوسين ؛ لأنّ هناك لا يليق إلا
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2299 ) ، ومسلم ( 4 / 2017 ) .