تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
صاحب الرفيق الأعلى ، والمخبر عن مقام الأدنى ، المذكور اسمه بعلّة محمد سيد الورى صلى اللّه عليه وسلم بعدد ذرات ما بين العرش إلى الثرى . قال محمد بن الفضل : تفضيل الأنبياء بالخصائص كالخلّة والكلام والمعراج وغير ذلك ، فضّل البعض منهم على بعض ، وفضل محمدا صلى اللّه عليه وسلم على الجميع ، ألا تراه يقول : « أنا سيّد ولد آدم ولا فخر » « 1 » ، كيف أفتخر بهذا وأنا بائن منهم بحالي ، وأقف مع اللّه بحسن الأدب ؟ لو كنت مفتخرا لافتخرت بالحق والقرب والدنو منه ، فلمّا لم أفتخر بمحل الدنو والقرب كيف أفتخر بسادة الأجناس .

[ تفسير الآية 57 ]

قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
ردّ اللّه بهذه الآية رغام التغيير على أنوف المبطلين ، الذين يشيرون إلى غيره بالعبودية من الملائكة والأنبياء ، مثل عيسى عليه السلام وعزير وبعض من مؤمني الجن ، وهؤلاء الذين يشير إليهم الظلمة بأنهم معبودون ، فإنهم على باب كبرياء الأول يعجزون تحت أنوار عظمته ، حتى يصيروا في حد الفناء من عظمة اللّه وجلاله ، يطلبون وسيلة قربة من اللّه تشفعهم عنده ؛ لأنهم يخافون من سلطان قهره ، ويطمعون في كشف جماله بقوله :
وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ
، وأخص الوسيلة كرمه القديم وإحسانه العميم ، ثم بعد ذلك أقرب الوسيلة إليه من كان معرفته به أكثر ، وخوفه منه أوفر ، ومقام الوسيلة مقام الشفاعة ، وتلك خاصة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وهي المقام المحمود ، وكل شفاعة منه تتشعب إلى غيره ، وهو أقرب الوسائل إلى اللّه ، كان الكل يجعلونه وسيلة إلى اللّه الأنبياء والملائكة وغيرهم . ووصف اللّه طلاب هذه الوسيلة بالخوف والرجاء ، والخوف صدر من أنوار عظمته ، والرجاء صدر من أنوار جماله ، فالصادق يطير إلى الحق بجناح نور الجمال والجلال ، وهما وسيلتاه منه له إليه يقربانه من اللّه ، فينظر إلى الجلال فيفنى ، وينظر إلى الجمال فيبقى ، وبهما نظام العبودية ، وعرفان الربوبية . قال سهل : الرجاء والخوف زمامان على الإنسان ، فإذا استويا دامت له أحواله ، وإذا رجح أحدهما بطل الاخر . ألا ترى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا » « 2 » . قال بعضهم : رجاء الرحمة هو طلب الوصول إلى الرحيم ، وخوف العذاب هو الاستعاذة من قطعه ، فلا عذاب أشدّ من ذلك ، ما سهل رجاء الرحمة في الظاهر الجنة ، وفي
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة ( 2 / 1440 ) . ( 2 ) رواه البيهقي في الشعب ( 2 / 12 ) بنحوه .