أقرب من طرفة عين ، حامدين له بحياتكم وعلمكم وقدرتكم وإرادتكم حمدا ، واصفين له بالكمال بإظهار هذه الكمالات ،
وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
أي : في القبور والمضاجع لذهولكم عن ذلك الزمان ، كما يجيء في قصة أصحاب الكهف ، أو في الحياة الأولى ، لاستقصاركم إياها بالنسبة إلى الحياة الآخرة ، فيتناول اللفظ القيامات الثلاث ، إلا أن الآية السابقة ترجح الصغرى .
قال بعضهم : من أسمعه الحق الدعوة وفّقه للجواب ، ومن لم يسمعه الدعوة كيف يجيب من لم يسمع !
وقال الجنيد في قوله :
فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ
: يقولون : الحمد للّه الذي جعلنا من أهل دعوته .
[ تفسير الآية 54 ]
قوله تعالى :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ
علمه سبحانه كان أزليّا قبل وجود المعلومات ، خارجا عن جميع العلّات ، اختار في علمه بعلمه وإرادته جواهر أرواح المقربين والعارفين من بين البرية بشرف قبول معرفته واستعداد حمل أمانته ، وجعلها في أماكن غيب طائرة في مزار قدمه ، وأراها منازل العبودية والامتحان من فيض قهره ولطفه ، فحبسها بعضا في مقام المشاهدة ، وحبسها بعضا في مواقف الوصلة ، وحبسها بعضا في منازل الدنو والقربة ، وهو كان عالما بشوق الشائقين إليه ، وداء المحبين لديه ، واستئناس المستأنسين به ، واستغراق العارفين في بحار عظمته ، وحيرة الموحدين في ميادين أزليته ، فيرحم بعضهم برؤية حسن الجمال ، حتى بقوا معه بنعت عيش السرمدية ، ويعذب بعضهم بأن يفنيهم فيه من تسلط سطوات العظمة عليهم حتى لا يدركوا في محل الفناء فيض البقاء ، وذلك من غيرته على نفسه ، فرحمته على العارفين كشف ووصال بلا حجاب ، وعذابه عليهم غلبة النكرة على قلوبهم ، وهذا دأبه مع أهل ولايته أبدا ، وحديث سبق العناية ؛ حيث اختار أهل وداده بمعرفته ، خلّصهم من عذاب فرقته ، وإذا أراد طرد الغافلين شغلهم بغيره عن الإقبال عليه ورؤيته ورحمته .
قال القاسم : سبق علمه في الخلق بالرحمة والعذاب ، ولا مبدل لما أراد ، وقد وسم الخلق بسمة الرحمة والعذاب ، ويرجع إلى منتهاه بما قد جرى له في مبتداه .
وقال الأستاذ : سدّ على كل أحد طريق معرفته بنفسه ليعلّق كل قلبه بربه ، فجعل العواقب على أربابها مشتبهة ، فقال :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ
قدّم حديث الرحمة على حديث العذاب ، فقال :
إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ
، وفي ذلك ترجيح للأمل أن يقوى .
[ تفسير الآية 55 ]
تصديق ما ذكرنا في حقيقة الآية وتفضيل مقاماتهم بعضا على بعض قوله سبحانه :