تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 48 إلى 51 ] انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ( 48 ) وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 49 ) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 )

[ تفسير الآية 45 ]

قوله تعالى :
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
معنى الآية : إذا قرأت القرآن جعلنا بين فهم الكتاب وشرفك المذكور في القرآن مع معاني حقائقه ، وبين قلوبهم وعقولهم وأرواحهم حجابا من غيرتنا ، حتى لا يرون بأبصار أسرارهم عرائس الصفات ، ولا يسمعون باذان قلوبهم لطائف حكم الخطاب ، وإذا كان عليه السلام قرأ القرآن صار منورا بنور الصفات ، موشحا بتجليها ، مزينا بحقائقها من حيث كان شربه من سواقي الصفات ، وحظّه من مشاهدات الذات ،

[ تفسير الآية 46 ]

وإذا بلغ إلى ذلك المقامات في قراءته وتلاوته وحسن صورته غار الحق عليه أن ينظر إلى وجهه أحد غيره ، ولو رآه أحد بهذا الوصف طاش عقله وطار روحه من هيبة اللّه ، يدل عليه قوله تعالى :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
وإذا استترت بأستار كلامنا صرت مستورا عن أعين المبطلين ، ومحصنا عن تناول المغضبين والمنكرين ، وربّ صادق فرّ من العدو إلى ستر القرآن ، فكان مستورا من جميع الضرر مثل أنه يقول : بسم اللّه ، فيكون مستورا عن أعين الخلق ، وهذا وصف الأخفياء الأتقياء . قال بعضهم : من تحصّن بالحصن فهو في أحسن حصن ، ومن تحصّن بكتابه فهو في أحسن حصن ، والمضيع لوقته من تحصن بعلمه أو بنفسه أو بجنسه ؛ فيكون هلاكه من موضع أمنه . وكان أبو يزيد إذا قرأ هذه الآية قال لأصحابه : تدرون ما ذلك الحجاب ؟ هو حجاب الغيرة ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا أحد أغير من اللّه » « 1 » . وتصديق ما ذكرنا في حقيقة الآيتين قوله سبحانه :
وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً
: إذا ذكر الحق بصفات الحق بنعت الوحدة وإفراد قدمه عن الكون بحيث انفرد الحبيب بفردانية الحبيب ، وتوحد بوحدانيته ، واتصف بصفته ، وشاهد إفراد ذاته ، صار وجوده وحدانيّا ربانيّا ألوهيّا جبروتيّا ملكوتيّا ، يزول كل ما قورن به من
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 4 / 1696 ) ، ومسلم ( 4 / 2114 ) .