تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦

[ تفسير الآية 20 ]

ثمّ بيّن أنّ ساعي الدنيا وساعي الآخرة كل واحد على جزاء سعيه بقدر همته بقوله :
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
: وصف عدله سبحانه وتعالى ألا يخيب رجاء كل مؤمن ؛ لأن عطاءه غير ممنوع ، فجازى الكل بقدر الهمم ، فعطاء الدنيا حظ النفوس ، وعطاء الآخرة حظ القلوب . قال علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد - عليهم السلام - : عطايا الدنيا غفلة من اللّه ، وعطايا الآخرة القربة من اللّه . ثم بيّن سبحانه تفاضل الفريقين بقوله :
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
: فضّل العابدين بعضهم على بعض في الدنيا بالطاعات ، وفضل العارفين بعضهم على بعض في الدنيا بالمعارف والمشاهدات ، فالعباد في الآخرة في درجات الجنان متفاوتون ، والعارفون في درجات وصال الرحمن متفاوتون . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 21 إلى 28 ] انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 ) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 ) وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ( 23 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ( 26 ) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ( 27 ) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ( 28 )

[ تفسير الآية 21 ]

قال تعالى :
وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
: صفو الوصال التفات بلا عتاب حصول المراد بلا حساب . قال ابن عطاء : من تولّاه اللّه بضرب من العناية وتوالت أعماله كلها للّه فله فضل الولاية على من دونه . قال اللّه :
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
: فالفضيلة تقع فيما بين الخلق والخلق ، لا تكبر عنده الطاعات ، ولا تغضبه المخالفات . قال الواسطي :
فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
بالمعرفة والإخلاص والتوكل . وقال في قوله :
وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ
: بدرجات السوابق يصل العبد إلى