تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
كأنه في سفر الأزل والأبد ، ولو أعيي مركبه للبث بلجة عن سير ألف عام ، وغيره ليس يساويه في مقام العبودية والمجاهدة ، فهو أولى ، وهذا كلام ليس من قبيل السخاء والبخل ، وليس من سجية الأنبياء والصدّيقين ؛ فإن مذهبهم الإيثار والبذل ، وما أشرنا إليه حقيقة حكمة المعرفة . ألا ترى إلى قوله سبحانه كيف أدّب حبيبه :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً
نفسك بالندم محسورا منقطعا عن السير في عالمك . وفيه إشارة أخرى ، أي : لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك بألا تنشر عند السالكين فضائل المعرفة وحقائق القربة ، ولا تبسطها بأن تذكر شيئا لا يحتملون فيهلكون . قال أبو سعيد القرشي : أراد اللّه عز وجلّ من نبيه صلى اللّه عليه وسلم بهذه الأمة ألا يكون قائما بشرف البسط والسخاء ، ولا قائما بنقض المنع والإمساك ، وأن يكون قائما به في جميع الأحوال . قال بعضهم : لا تبخل بما ليس لك ، ولا تمن بالعطاء ، فإنّ الملك لنا على الحقيقة ، وأنت القاسم تقسم فيهم حقوقهم ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللّه يعطي وأنا قاسم » « 1 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 34 إلى 44 ] وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً ( 34 ) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 35 ) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ( 36 ) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ( 37 ) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 ) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ( 39 ) أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ( 40 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ( 41 ) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ( 42 ) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً ( 43 ) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ( 44 )

[ تفسير الآية 34 ]

قوله تعالى :
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
: العهد عهد الأزل وقع بين كينونة الأرواح في عالم الأفراح ، قبل كون الأشباح بينهما ، وبين الحق العهد صدر من الحق
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في « الأوسط » ( 6 / 216 ) ، والبخاري في « التاريخ الكبير » ( 1 / 14 ) .