تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
قال بعضهم : الكتاب الذي يخرج إليك هو كتاب لسانك قلمه ، وريقك مداده وأعضاؤك ومفاصلك قرطاسه ، أنت كنت المملي على حفظتك ما زيد فيه ولا نقص منه ، ومتى أنكرت من ذلك شيئا يكون الشاهد فيه منك عليك ، قال اللّه :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ
. وقال يحيى بن معاذ : اقرأ كتابك ؛ فإنك كنت المملي له . وقال بعض السلف : محاسبة الأبرار في الدنيا ، ومحاسبة الفجّار في الآخرة .

[ تفسير الآية 16 ]

قوله تعالى :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
: إذا أراد اللّه سبحانه خراب الدنيا يأخذ أولياءه منها ، ويبقي أعداءه فيها ، فإذا ذهب منها الصدّيقون الذي يندفع العذاب بدعائهم وتدفع البلايا ببركاتهم يسقط عليهم بعد ذلك قوله الحق بالغضب وهلاكهم ، وأيضا إذا أراد اللّه أن يخرب قلب المريد سلّط عليه عساكر هوى نفسه ، وجنود شياطينه ؛ حتى يدوروا في أرض القلب ، ويخربوها بسنابك خيول الشهوات ، وآفات الطبيعيات والخطرات ، نعوذ باللّه منها . قال بعضهم : أهلكنا خيارها ، وأبقينا شرارها . وقال أبو عثمان : إذا أخرج اللّه أمر المعاصي من القلوب فإنه يخاف على الخلق إذ ذاك الهلاك « 1 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 18 إلى 20 ] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 )
هامش
( 1 ) المراد من تدمير القرية : تدميرها ، وتدمير أهلها ؛ لأن تدميرهم تابع لتدميرها ؛ ألا ترى أن اللّه أمر جبريل بقلب قرى قوم لوط ، فقلّبها ، وهم فيها ؛ فهلك ، وهلكوا جميعا ، وكذا أصحاب القرية المذكورة في سورة يس ، وأطلق التدمير ؛ لكون كل منها مدمّرة مخصوصة حسبما اقتضتها أعمال أهلها ؛ كالطوفان بالنسبة إلى قوم نوح ، وكالقلب بالنسبة إلى قوم لوط ، وكالريح بالنسبة إلى قوم هود ، وخصّ المترفين : أي المنعّمين ؛ لأن الفقراء تبع لهم ، والناس على دين ملوكهم ، والسمك يتغيّر من الرأس كما هو المشهور ، فإذا عصى رؤساء القوم ؛ لا يبقى لهم ، ولأتباعهم حرمة أصلا على أن الأتباع إن كانوا عصاة أيضا ؛ فهم أسوة لهم في الهلاك ، والأسرى الهلاك إليهم بحكم الجوار ، وبحكم المداهنة ، أو السكوت عن الحق ، وفيه إشارة إلى قرية القالب ومترفوها هي : أشراف الأعضاء ، والقوى ؛ كالسمع والبصر ، والقلب ، فإن الجسد تابع لها ، فإن صلحت ؛ صلح الجسد ، وإن هلكت ؛ هلك ؛ وهذا هو الهلاك المعنوي ، والفساد الحقيقي .