تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 20 ] كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 )

[ تفسير الآية 18 ]

قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
: من مال إلى الدنيا أراد حظ الأدنى ؛ كأنّه استعجل لطلب العاجلة عن الاجلة من خسّة طبعه ودناءة همته ؛ وذلك من قلة معرفته بزوالها وبلائها والعذاب والحساب من أجلها ، فعجّل اللّه بعض مراده له في الدنيا لحرمانه عن الآخرة والدرجات العلى ، ولم يكن مظفرا بمراده أيضا من مأموله ؛ لأنّ اللّه سبحانه قال :
عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
. قال الواسطي : في ترك الدنيا مشاهدة الآخرة ، وفي مشاهدة الآخرة رفض الدنيا ، كما أن في مشاهدة التأييد زوال عزة النفس ، وفي مطالعة صفات الحق سقوط صفات العبد .

[ تفسير الآية 19 ]

ثم وصف مريد الآخرة بعد تركه للدنيا ولذاتها بأن سعيه مشكور وعمله مبرور بقوله سبحانه وتعالى :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
، فجعل ها هنا شرطين في إرادة الآخرة : شرط السعي ، وشرط الإيمان أي : ينبغي له أن يكون سعيه على نعت مشاهدة الآخرة ، ورؤية الغيب واليقين الصادق ؛ حتى يكون سعيه مقرونا برؤية ما وعد اللّه له من الدرجات الرفيعة والمقامات الشريفة ؛ حتى يكون عمله وسعيه على وصف حظ القلب والروح . وأيضا معنى قوله :
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
عارف باللّه وبصفاته ، عالم بعمله للّه ، لا يعمل إلا بالعلم ، ولا يسعى إلا بالشوق إلى اللّه وإلى جواره والبقاء في المشاهدة ، والسعي المشكور أن ينكشف لصاحبه مشاهدة الحق في سعيه نقدا في الدنيا ، فإنّ تأثير القبول ظهور أوائل الكرامات ، وبروز لطائف أنوار المشاهدات . قال القاسم : شرط الإرادة بحسن السعاية ؛ لأنّ لكل طائفة إرادة الآخرة وسعيها ، وهو الذي يسعى على الاستقامة وما توجبه عليه الشريعة ، وشرط السعي بالاستقامة ، وشرط الاستقامة بالإيمان ؛ لأنّ كل من أراد الآخرة وقصد قصدها فليستقم عليها ، ربّ قاصد مستقيم في الظاهر خلعة الإيمان عارية عنده ، وكم من ساع حسن السعي غير مقبول فيه سعيه . وقال بعضهم : السعي في الدنيا بالأبدان ، والسعي إلى الآخرة بالقلوب ، والسعي إلى اللّه بالهمم . وقال أبو حفص : السعي المشكور ما لم يكن مشوبا برياء ولا سمعة ولا رؤية نفس ولا طلب ثواب ، بل يكون خالصا لوجهه لا يشاركه في ذلك شيء سواه ، فذلك السعي المشكور ،