والاختيار .
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه عز وجلّ : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين » « 1 » .
[ تفسير الآية 12 ]
قوله تعالى :
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
: الليل والنهار ها هنا مقام المجاهدة والمشاهدة ، فالمجاهدة ليل العارفين ، والمشاهدة نهار الصدّيقين ، ففي مقام المشاهدة كشف شمس الذات آية نهار المشاهدة ، وكشف قمر الصفات آية ليل المجاهدة ، فأهل المشاهدة في رؤية شموس الذات ، وأهل المجاهدة من الصادقين في رؤية أقمار الصفات ؛ لأنهم في ضعف الأحوال من حمل وارد العظمة ، ولولا غيبة أنوار الذات عنهم لهلكوا في أول سطوتها ، ولو كان إتيان أحدهما كالاخر لهلك العارفون لبقائهم في مشاهدة الذات صرفا على السرمدية ، ولم يصلوا إلى معادن الصفات .
كما قال سبحانه :
لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
، وفضل الحق ها هنا معرفة الصفات ، والعيش في مشاهدة الذات ، والوقوف على مقامات الدنو ، وأوقات الحالات ، بقوله سبحانه :
وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
أي : لتعلموا في محاق أقمار الكواشف ، وزيادة كمالها بفيض نور الأولية والأخروية أعداد زمان الوصال والفراق ، وحساب المقامات والحالات ، وتقعوا في دور أدهار الأزال والآباد ، وتعرفوا منازل سيارات الأرواح وحركاتها في أبراج أفلاك الوحدانية والفردانية بقوله :
وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا
، وها هنا منازل انقطعت الأوهام في مداركها ، وذهب الحسبان عند شوارق أنوارها ، وانصرمت العقول عن تقلب أسرارها ، وفنيت القلوب في حقائق أنوارها ، كان لسان القدر ينطق بنطق الأبد على لسان عندليب سكران موردات ورد العشق شطاح فارس روزبهان البقلي ، هذه الأسرار المباركة الممتنعة عرائسها بحجب الغيرة عن غيره أو غير مثله .
واستشهد ببيت النوري في هذا المعنى :
لا زلت أنزل من ودادك منزلا * يتحير الألباب عند نزوله
قال بعضهم : جعلنا الليل والنهار ظرفين لإقامة العبودية ، جعل أحدهم خلفا عن الاخر وخليفة عنه ، فمن أنفق أوقاته في إناء ليله بما هو مستعبد به فهو زمرة الموفقين ، ومن أمهل ساعاته ولم يطالب نفسه ، ولم يراع أوقاته مع كل خاطر أو نفس فإنه من المخذولين .
قال اللّه :
لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
في تصحيح العبودية وإخلاص العمل والمعونة
هامش
( 1 ) رواه البخاري في « خلق أفعال العباد » ( 1 / 109 ) .