تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
وقيل : إن عدتم إلى الخطأ عدنا إلى الوفاء ،

[ تفسير الآية 9 ]

ثم بيّن سبحانه أن الفراق يعرف العارفين أصوب الطرق وأقومها في مسالكهم إلى اللّه بقوله سبحانه وتعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
أي : أنّ القرآن يعرف أهله بنوره أصوب الطريق إلى اللّه ، وتلك الطريقة طريق طاعته التي في سلوكها لسالكيها مقام كشف وصاله وظهور جماله ، وأنه يهدي للطريقة الصائبة في نفسه من حقائقه بأن يرشدهم بظاهره إلى معاني باطنه ، ومن معاني باطنه إلى نور حقيقته ، ومن نور حقيقته إلى أصل الصفة ، ومن الصفة إلى الذات ، فالقرآن أسماء ونعوت وأوصاف وصفات ، يعرف للعارف الصادق عيون الذات والصفات والأسماء والنعوت والأوصاف وهي أقوم الطريقة ؛ لأنّ العوام يسلكون إليه بأوصافهم ، وأهل القرآن يسلكون إليه بصفاته .
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا * كفى لمطايانا بريّاك هاديا
ويبشر أهله من الذين يتبعونه بمراد الحق أن لهم أجر المشاهدة وكشفها بلا حجاب أبدا . قال ابن عطاء : القرآن دليل ، ولا يدال إلا على الحق ، فمن اتبعه قاده إلى الحق ، ومن أعرض عنه قاده الجهل إلى الهلاك . وقال أبو عثمان في كتابه إلى محمد بن الفضل : من تمسّك بالقرآن وفّق للزوم الاستقامة ؛ لأن اللّه يقول :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
. [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 11 إلى 12 ] وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً ( 11 ) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً ( 12 )

[ تفسير الآية 11 ]

قوله تعالى :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
: من لم يبلغ أعالي درجات القوم لم يعرف مقامات الدعاء ، ومن لم يعرف مقام الدعاء ففي كل وقت يستعمل سوء الأدب ؛ لأنّه في رسوم الصورة يسأل شيئا بجهله ، وهو سبب خطره قرب مراد لا ينجح له المقصود ؛ لأنّه عجول لا يصبر حتى يبلغ ، ويعرف ما يليق بحاله فيسأل . قال سهل : أسلم الدعوات الذكر وترك الاختيار في السؤال والدعاء ؛ لأنّ في الذكر الكفاية ، وربما يدعو الإنسان ، ويسأل ما فيه هلاكه ، وهو لا يشعر . ألا ترى اللّه يقول :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ
والذاكر على الدوام التارك للاختيار في الدعاء والسؤال ، مبذول له أفضل الرغائب ، وساقط عنه آيات السؤال