تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩

[ تفسير الآية 3 ]

قوله تعالى :
إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً
: عبدا من حيث العبودية ، ومحبّا من حيث المعرفة ، وعاشقا من حيث الحرية ، ومنفردا بالأنس من حيث الغيرة . ألا ترى كيف قال :
لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح : 26 ] : شكورا من حيث أن يرى المنعم بالمنعم لا بالنعمة بنعت العجز عن أداء حق نعمة جلاله وكشف جماله ، كأنّه تعالى علم نبيه عليه السلام مقام معرفة أبيه نوح عليه السلام كيف كان معرفته باللّه ؛ حيث احتمل بلاءه به ، وشكر في موضع الصبر ، كأنّه علّمه الشكر في مقام البلاء ؛ لأنّ العارف لا يتم ؛ حتى يعرف الحق في رؤية البلاء ورؤية النعمة ، فيأخذ من مقام البلاء الصبر المقرون بالرضا ، ومن مقام النعمة الشكر المقرون بالصفاء والوفاء والسخاء والتّقى ، وإن كان متحليا بهاتين الحلتين صار مزينا بجميع زينة العبودية ؛ لذلك قال :
عَبْداً شَكُوراً
« 1 » . قال الجنيد في قوله :
إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً
: العبودية هي : ترك هذين الشيئين : السكون إلى اللذة ، والاعتماد على الحركة ، فإذا فقد عنك هذان فقد أديت حق العبودية ، يستعظم قليل فضلنا عنده ، ويستصغر كثير خدمته لنا ، ليس له إلى غيرنا التفات ، ولا يشغله تواتر النعم عليه عن المنعم بحال . وقال أيضا : قائلا بالحق ، ناطقا به ، قابلا له ، مقبلا عليه . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 7 إلى 10 ] إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ( 7 ) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ( 8 ) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 10 )

[ تفسير الآية 7 ]

قوله تعالى :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
: حكى اللّه سبحانه عن العباد بأنهم يعملون بالأعواض لحظّ نفوسهم ، لا لحقيقة العبودية التي وجبت عليهم في الأزل ، لحق الربوبية التي هي مستحقة لها ، فمن عمل للنجاة عمل لنفسه ، ومن عمل للثواب فقد عمل لنفسه ، ومن عمل لحظ المحبة وكذا الأنس فقد عمل لنفسه ، ومن عمل لغير هذه العلل وقام على شرط العبودية بنعت إسقاط رؤية الأعواض وكل علة على وصف الخجل والحياء والفناء فقد عمل للّه ، ولكنّ أعماله راجعة إليه بسببين : أحدهما أن عبودية الخليقة لا تليق
هامش
( 1 ) وفي التأويلات النجمية يشير إلى شكر داود الروح وسليمان القلب من آله السر والخفي والنفس والبدن فإن هؤلاء كلهم من مولدات الروح قال اعملوا . . .