تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
وقال محمد بن الخفيف : الفراسة مقسومة على ثلاثة أوجه : الأول : إصابة المكنون من الأوقات المستكن في النفوس من الأحوال المستخفية من حمل عوام الخلق ، وذلك مخصوص به الرسل لما كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم في عبد بن زمعة حين قال : « إن أمرها لبيّن ، لولا حكم اللّه » . والثاني : تجلي ما استودع الحق في النفوس من الأحكام المخفية على الخلق المتفرد به الحق ، وكشف ذلك لأهل التخصيص من الصديقين والأولياء بعد الأنبياء ، كما قال أبو بكر الصديق لعائشة - رضي اللّه عنهما : « إنما هما أخوك وأختاك » « 1 » . والثالث : ذكر اطلاع القلوب عندما انكشف له من الغيب البعيد ، وهذا مقرون بالإلهام ، كما قال عمر بن الخطاب : « يا سارية ، الجبل الجبل » « 2 » . سئل الجنيد عن الفراسة ؛ فقال : آيات الربانية تظهر في سماء العارفين ، فتنطق ألسنتهم بذلك ، فتصادف الحق . وقال الحسين حين سئل عن الفراسة ؛ فقال : حق نظر عن أحد نظرا إياه ، فخبر عن حقيقة ما هو إياه بإياه . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 85 إلى 91 ] وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ( 85 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 86 ) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ( 89 ) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 )

[ تفسير الآية 85 ]

قوله تعالى :
فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
الصفح الجميل ما يكون برؤية تقدير الأزل بنعت شهوده مقدور الغيب بوصف السرور في مباشرة الأمر ، والنشاط بالرجوع إلى الحق ، وسابق أمره ومشيئته فيما جرى عليه بالواسطة من الغير ، فإذا كان كذلك سقط الملامة بسقوط الوسائط ، وحصل الرحمة على المجرم المجبور بأمر التقدير .

[ تفسير الآية 86 ]

ألا ترى كيف أشار بتمام الآية إلى سرّ ما سبق من التقدير الأزلي بقوله :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
أي : ما هجم عليك من إيذاء قومك هو مخلوق الخلائق ، وتقديره في تربيتك ، وإبلاغك إلى مقام أولى العزم ، وهو عليم بما قدّر ، وبما يكون من اتصافك بخلقه العظيم ، وإن
هامش
( 1 ) ذكره الطحاوي في « شرح معاني الآثار » ( 2 / 514 ) . ( 2 ) ذكره العجلوني في « كشف الخفاء » ( 2 / 514 ) .