تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
للعباد أعظم من شهود العباد عنده ؛ لأن العباد في محل الحضور وشهوده تعالى محل الكشف . قال أحمد بن خضرويه : لو أذن لي بالشفاعة ما بدأت إلا بظالمي ، قيل له : وكيف ؟ قال : لأني نلت بظالمي عالم اللّه من والدي ، قيل له : وما ذاك ؟ قال : تعزية اللّه في قوله :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
. قال ميمون بن مهران : كفى بهذه الآية وعيدا للظالم وتعزية للمظلوم . وقال ابن عطاء في قوله :
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
هذه صفة قلوب أهل الحق ، ألا ترى الهواء قائم بالمشيئة ، والإرادة غير قائمة بعلائق فوقها كذلك قلوب أهل الحق في هذه الآية اللّه ليس في قلوبهم محل لغير اللّه إلا بساكن سوى اللّه ، ومثل قلوبهم كما قال اللّه تعالى :
وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
لا تلتفت إلى سواء ولا له قرار مع غير اللّه . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 45 إلى 47 ] وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ( 45 ) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 ) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 )

[ تفسير الآية 45 ]

قوله تعالى :
وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
السكون في أوطان الظلم من أهلية فطرة النفس الأمّارة إليها ، وسجيات الشهوات تميل إلى محلها من الآفات لتزيد حظوظ هواها ، ومن لم يخرج نفسه في زمان الإرادة من أجوار المدعين تعودت نفسه عادة الظلم في الدعاوي الباطلة ، ويقع عليه ما وقع على المدعين الكاذبين . قال أبو عثمان : مجاورة الفساق وأهل المعاصي من غير ضرورة من فسق كامن ، ومعصية مستترة في القلب ؛ لأن اللّه ذمّ قوما من عباده ، فقال : وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ولم يعذر من مقام فيها ، فقال : لم يكن أرض اللّه واسعة فتهاجروا فيها . ويقال : إن معاشرة أهل الهوى والفسق ومجاورتهم مشاركة لهم في فعلهم ، ويستقبل فاعله ما استقبلهم . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 48 إلى 52 ] يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 48 ) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 49 ) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ( 50 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 51 ) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 52 )