البلاد عساكر أنوار أفعاله ، وفرسان تجلي صفاته ، وجنود عظائم أزاله ، وإبادة والنفس بلد الشهوات ، وسوء النهى جنود القهريات ؛ فاستعاذ به في هذا البلاد عن جنود القهر الذي معادنها النفس الأمّارة ، أي : اجعل هذا البلد آمنا بلطفك عن قهرك ، وبالروح والقلب عن النفس ، وجند شياطينها وهو أجسرها وسراق طبيعتها ، واجعلها آمنا بك عنك .
كما قال : أعوذ بك منك ، ثم سأل وقايته عن عبادته ، وبنيه أصنام الطبيعة ، والالتفات إلى الغير في طوارق البلاء ، بقوله :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
كل ما وقف العارف عليه ممّا وجد من الحق فهو صنمه .
[ تفسير الآية 36 ]
ثم قال :
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
أي : رؤية غيرك ومتابعة هذه الشهوات والهوى أضلت لما فيها من معجون قهرك كثيرا من المريدين والطالبين ، حيث ارتبط بهم في مهوات الهلاك ووطأت الغفلات .
قال عليه السلام : « النفس هي الصنم الأكبر » « 1 » .
ثم وصف نفسه بالإمامة في الخلة والمعرفة والشريعة والطريقة بقوله :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي
أي في طريق المجاهدة والمحبة والخلة بالموافقة في بذل الروح بين يديك ؛
فَإِنَّهُ مِنِّي
أي : طينته من طينتي ، وقلبه من قلبي ، وروحه من روحي ، وسره من سري ، ومشربه في المحبة والمعرفة والخلة من مشاربي ، ومن عصاني فيما يكون عصيانك ويقتضي حجابك ليس منّي ولكن إنك غفور ذنوب قاصديك رحيم بمريديك ، بقوله :
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فيه إشارة إلى أن كفر الكافرين ، وعصيان العاصين ، يستغرق في بحار رحمته وغفرانه ، وإن يدخلهم في جناته لا يبالي .
والحكمة في قوله :
وَمَنْ عَصانِي
وإنه لم يقل ومن عصاك أنه كان عليه عليه السلام في محل الخلة ، والخلة توجب المحبة ، والمحبة توجب المودة ، والمودة توجب الشوق ، والشوق يوجب العشق ، والعشق محل الاتصاف والاتحاد ، وعين الجمع ، وجمع الجمع ، فالإشارة بقوله :
وَمَنْ عَصانِي
إشارة عين الجمع بعد انسلاخه من رسوم الحدوثية ، كأنه قال : فمن تبعني تبعك ، ومن عصاني عصاك ؛ لأن في حقيقة العشق العاشق والمعشوق واحد .
ألا ترى إلى قول الحلاج - قدس اللّه روحه :
ها أنت أم أنا هذا إلهين في إلهين * حاشاي حاشاي من إثبات اثنين
هامش
( 1 ) ذكره الألوسي في « روح المعاني » ( 9 / 425 ) .