تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
وأيضا لمّا قال : فمن تبعني فإنه منّي ، قال أيضا : ومن عصاني موافقا للقول الأول كأنه أشار أن طاعة الخليقة ومعصيتها تليق بالخليقة ، وأنت منزّه من طاعتهم وعصيانهم ، أي أنا من جنسهم وهم من جنسي وأنه منزّه عن المجانسة بالحدثان ، وأيضا أضاف عصيانهم إلى نفسه ؛ لأن عصيان الخلق للخالق غير ممكن ؛ لأن ما يبدو منهم من جميع الحركات إجابة وجودهم وسر السر ، وما نعلن من حيز الإلهام والوسواس والهواجس ، وأيضا ما تخفى في أنفسنا من منازعة القدر بوصف خاطر النكرة في أمر المعيشة في صورة ما نكرة من أنفسنا من الشكوى والتغير في الغضب ، وما نعلن بجلادتنا من صبر الصبر بوصف التصبر والتشكر . قال الخواص : إنك تعلم ما نخفي من حبك ، وما نعلن من شكرك . وقال ابن عطاء : ما نخفي من الأحوال وما نعلن من الأدب . قال الحسين : ما نخفي من المحبة ، وما نعلن من الوجد . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 42 إلى 44 ] وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ( 42 ) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ( 43 ) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ( 44 )

[ تفسير الآية 42 ]

قوله تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
هذا من اللّه سبحانه محل تعظيم المراقبة والهيبة في الرعاية ، والحياء في المحاضرة وللظالم من مشرب بحر جماله وجلاله وحسنه وأفضاله شربات من محبته وشوقه ومعرفته ، ويخرج على بساطه بنعت العربدة والسكر ودعوى الأنائية ؛ لأنه يجاوز طوره . والإشارة بقوله :
إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ
لا يعني في الحقيقة أبصار سكارى المعرفة والتوحيد يوم الكشف الأكبر ،

[ تفسير الآية 43 ]

حيث تبدوا أنوار سطوات العزّة فتقضيهم عنهم بالحق وعظمته وكبريائه حتى يستغرقوا في عظمته بحيث لا يقدرون الالتفات إلى غيره بقوله :
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ
. ثم زاد في وصف قلوبهم واضمحلالها في عزّة العظمة بقوله :
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
خالية عن العقول المدركة والأرواح الفائقة أو لأن من عزّة القدم شيئا ، ولا من جلا الأبدية مدركا . ونعم ما قال سبحانه :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
حيث يشاهدهم ويشاهد ما يجري عليهم بوصف الجبارية والعظمة ؛ فإنه موضع شهوده وشهوده
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 270 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )