تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
بينكم وبينه السفير الأعلى والواسطة الأدنى . وقال ابن عطاء : أجلّ النعمة رؤية معرفة النعم ، ورؤية التقصير في القيام بشكر المنعم . قال : أيضا النعمة أزلية كذلك يجب أن يكون شكره أزليّا ، واعلم أن لك نفسا وروحا وقلبا ؛ فنعمة النفس الطاعة ، ونعمة الروح الخوف ، ونعمة القلب اليقين ، ونعمة الروح الحكمة ، ونعمة المحبة الذكر ، ونعمة المعرفة الألفة ، والنفس في أبحر الطاعات تتنعم ، والقلب في بحر النعيم ينقلب ، والمعرفة في أبحر القربة وانتظار العيان بتنعم . قال : أيضا سخّر لكم الليل والنهار جعلهما ظرفا لعبادتك ووعاء لطاعتك ، وسخّر لك الشمس والقمر لتستدل بهما على أوقات العبادات ، وسخّر قلبك لمعرفته ومحبته ؛ لأن حظ الحق من العبيد قلوبهم . قال الحسين في قوله :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
ما لا يحصى لا يتناهى لا يصح لها شكر متناه في وقت متناه ، وإنما طلبهم بالشكر ليقطعهم عن الشكر . وقال الأستاذ : سماء القلوب زيّنها بمصابيح العقول ، وأطلع فيها شمس التوحيد هو العرفان ، ومرج في القلوب يجري الخوف والرجاء ، جعل بينهما برزخا لا يبغيان لا يغلب الخوف ولا الرجاء ، وسخّر فلك التوفيق والعصمة وسفينة الإيواء والحفظ ، وكذلك ليالي الطلب للمريدين ، وليالي الطرب لأهل الأنس من المحبين ، وليالي الهرب للتائبين ، وكذلك نهار العارفين باستغنائهم عن سراج العلم عند سطوع نهار اليقين . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 35 إلى 41 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ( 38 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ( 39 ) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ( 40 ) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ( 41 )

[ تفسير الآية 35 ]

قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً
مظنّة الآية في حقيقة معناها البلد القلب ، والقلب بلد البلدان ، والعقل بلد القلب ، والروح بلد العقل ، السر بلد الروح والمعرفة ، والمحبة بلد السر ومشاهدة المعروف ، هناك بلد المعرفة والمحبة وسواكن هذه