شاء بأهل العناية والسعادة ، ويفعل ما يشاء بأهل البعد ببعادهم عن قربه ليس عليه في إبرام حكمه نقص في ردهم وقبولهم .
قال بعضهم : الخلق كلهم مجبورون تحت القدرة ، مقهورون على بساط الجبروت ، ليس إليهم من أمورهم شيء ، ممنوعون عمّا يريدون ، يقضى عليهم ما يكرهون ، وهذا من أثار العبودية ، واللّه تبارك وتعالى مدبر الأمر ومنشأها أنشأها على إرادته ، وأبدعها على مشيئته ، لا ناقص لما أبرم ، فلا هناك على الحقيقة فعله ، والكون صنعه لا علة لفعله ولا بضعه .
قال الشبلي في قوله :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
إذا أكرمه بالتثبيت كشف وأعطى كمال المعرفة ، ومقال الصدق والتوكل ، ومحض الإخلاص ، وحقائق اليقين ، وكوشف عن مقامات الولاية التي لا نهاية لها ، وذلك وصف من ثبته .
وقال : الصادق ثبتهم في الحياة الدنيا على الإيمان ، وثبتهم في الآخرة على صدق جواب الرحمن ،
[ تفسير الآية 28 ]
ثم شكيّ عن المغيرين نعمته عليهم بقلة الشكر في نعمته وقلة الصبر في محنته بقوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً
نعمة اللّه ها هنا العقل والعلم والاستعداد ، وجمال الصورة والهيئة ، بدّلوا العقل بالعبادة ، وبدّلوا العلم بالجهل ، وبدّلوا استعداد قبول الإيمان بقبول الشرك والشك من النفس والشيطان ، وبدّلوا جمال الصورة بقبح المعاصي ومباشرة الشهرة ، ويا ليت تلك النعمة لو ساعدها العناية الأزلية ، وكيف يتبدل محل العناية ولو غاص المنعم عليه في بحر الكفر والمعاصي ألف مرة .
قال أبو عثمان : أجهل الخلق بنعمة اللّه من استعملها في أنواع المعاصي ولم يقم بشكرها في أن يعمل بها في طاعة اللّه .
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 32 إلى 34 ]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ( 32 ) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ( 33 ) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( 34 )
[ تفسير الآية 32 ]
قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
خلق السماوات الأرواح وعرض القلوب ، زيّن السماوات بأنوار الجبروت ، وزيّن الأرضين بأنوار الملكوت ، رفع هذه السماوات بأنوار الذات ، وبسطه هذه الأرضين بأنوار الصفات .
قال تعالى :
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ
أنزل