كذلك الناس خلقوا من آدم عليه السلام فتنزل عليهم من السماء تذكرة ؛ فترق قلوبهم فتخشع وتخضع ، وتقسوا قلوب وتلهوا وتسهوا وتجفوا .
عن الجنيد قال : خلق اللّه الخلق وأظهر آثارها وأحي منبتها متحرفة إلى كل فج عميق وبلد سحيق ، وجعلها قطعا متجاورات ، قيعانا متقاربات ، وألوانا متشابهات ، جميعها في النظر وفرقها في المواطن ؛ فسقاها بماء واحد وفضل بعضها على بعض في الأكل ؛ فجلّ ربنا - عز وجل - من قادر قاهر ، جعل ذلك سببا إلى معرفته ودلالة لربوبيته .
قال الواسطي في قوله :
يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
لم يتلون الإرادات ، وتلونت المرادات كما تلونت الأشجار والثمار ، ولم يتلون المياه التي سبقت الأشياء المختلفات ، كذلك العلم بالأشياء لا يتلون ، وتتلون المعلومات ؛ فمن قال : كيف فهو ؟ لضيق القدرة عنده وعلل تكوين الحدثات لعلة إثبات الربوبية وامتدادها ، ولئلا يسبق إلى الأوهام شيئا من الكون بغير إرادته ، فأراد الموت والحياة والظلمة والضياء - لم يتلون الإرادة ، كذلك ما أراد من الكفر والإيمان ، قال اللّه :
يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ
الآية .
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « العاقل من عقل عن اللّه أمره » « 1 » .
وقال الواسطي : العقل ما عقلك عن المجازي .
[ تفسير الآية 5 ]
ثم بيّن سبحانه إنما وصف من ذكر آلائه ونعمائه وصنعائه ومصنوعاته لا ينفع بمن لا سعادة سابقة له مساعده ، ولا ينفتح له عين غير العقل ، بحيث يعجب المخاطب الكريم إنكارهم بقوله :
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ
من غاية استغراقه في بحر الكمال التوحيد ، وغلبة صدق الرسالة عليه السلام يعجب ممن لا يعرفه بالصدق في رسالته ، حيث أطلع من جماله وشمائله شمس آيات القدم ونور قمر الكرم ، وأي شيء أعجب من ذلك أن من له عقل ونظر لا يبصر فيه شواهد الملكوت وأنوار الجبروت ، إذ الجمادات نطقت بصدق رسالته ؛ فتسلاه الحق سبحانه بقوله :
فَعَجَبٌ
أي : عجب من ذلك العجب أن من يظهر في نفسه آيات اللّه في كل لمحة ألف مرة ولم يرها بعين البصيرة ويموت ويحي في كل ساعة ألف مرة ، ولا يعرف وجوده من عدم ، ولا عدمه من وجوده ؛ فإن عند كل نفسين للإنسان موتا وحياة فعند صعود النفس له موت ، وعند دخول النفس في جوفه من طريق الحس حياة ؛ ولكن ليس من الحق عجب ؛ فإنه تعالى يضل به من يشاء ويهدي من يشاء ؛ فإذا ذهب العجب إذ ليس شيء منه عجب .
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في « حلية الأولياء » ( 8 / 370 ) ، والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 4 / 166 ) .