بالمؤاكلة معهم ، وأنى يفعل الغني بمال الفقراء لم ير نفسه أهلا في ملكه أن يأكل طعام الفقراء ، وفيه ما فيه من الإشارة إلى أن ما وجد الأولون والآخرون من معرفة اللّه وتوحيده ومحبته وعبوديته في جنب ما يجدون منه يوم الكشف الأعظم أقل من كل شيء ؛ فيرد بكبريائه ما يليق بالحدثان على الحدثان ، لأنه تعالى بقدمه وجلاله منزه عن أن يدركه أحد من خلقه ، وأن يطلع على أسرار ذاته وصفاته أحد من عباده يرد متاع العبودية على الخلق ؛ لأنها لا يليق بربوبيته فيغنيهم بما له عمالهم .
ألا ترى إلى قوله عليه السلام : « لن ينج أحد منكم عمله » ، قالوا : يا رسول اللّه ، ولا أنت ؟
قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه منه برحمة وفضل » « 1 » .
قال بعضهم : إن أعمال الخلق كلها مردودة عليهم ؛ فإنهم إنما عملوها بأنفسهم ، قال تعالى :
وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ
وأن الذي يلحقهم من الكرامات من جهة التفضل لا من جهة الجزاء .
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 66 إلى 68 ]
قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ( 66 ) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 ) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 68 )
[ تفسير الآية 66 ]
قوله تعالى :
فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ
رأى يعقوب عليه السّلام نية بنيه صادقة في شأن بنيامين بأنهم يتحفظونه ، ويأتون به إلى يعقوب عليه السلام ، ورأى يعقوب عليه السلام بنور النبوة ما يقع في المستقبل ؛ فتعرف عجزهم عن دفع القدر ؛ فقال اللّه :
عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ
أي : ليس على مرادي ومرادكم بل يفعل كما يريد ، وهو قادر بحفظه وإرجاعه إليّ .
قال بعضهم : ما اعتمد منهم الميثاق لما سبق منهم إليه قبل ذلك ؛ فعلم أنّ مواثيقهم وحفظهم معلولة فقال :
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
، وقال :
اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ
هو الذي يحفظ قلوبكم ، ولا يحلكم إلى آراءكم وأهوائكم ، ثم عرفهم أسباب العلم والعقل ، واستعمالها لتوقعه أن تتجاوز الأقدار عنهم بناقض من الحق ، من قدر سبق الأقدار .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 2816 ) ، ومسلم ( 5349 ) .