[ تفسير الآية 67 ]
ألا ترى إلى قوله :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ
يراقب من إثبات القدر ومحوه ؛ فقال اللّه تعالى :
يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ
خاف من عين غيرة القدم على مقدور القدم ؛ فينتظر عليه سبق الرضا على السخط بقوله سبحانه : « سبقت رحمتي غضبي » « 1 » .
فاستدرك بعد استعمال العلم صرف التوحيد ؛ فقال :
وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
أي : تدبيري وعلمي وعقلي وحذري لا تدفع سابق القدر ؛ فأرضى بما هو كائن منه تصديق ذلك قوله :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
ما يريد يكون كما أراد ، ثم برئ من حوله وقوته بقوله :
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
، وحقيقة التوكل رفع التدبير عند رؤية التقدير .
وفي الآية إشارة كان سر يعقوب عليه السلام أشار إلى بنيه أي : إذا عزمتم بقلوبكم وأرواحكم وعقولكم وأسراركم سلوك سبيل الحق لا تدخلوا فيه بسبيل واحد بل ادخلوا عليه بسبيل الصفات لتعرفوا حقائقها وتعرفوا بحقائقها عين الذات ؛ فإن من عرفه بصفة واحدة لم يعرفه بما استحقه من أوصاف القدم وصفات الأزل .
قال جعفر في قوله :
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ
: نسي يعقوب عليه السلام اعتماده على العصبة والقوة ، وأن القضاء يغلب التدبير بقوله :
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ
، ثم استدرك عن قريب وساعده التوفيق ، وقال :
وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
.
قال ابن عطاء : كيف يرد عن غيره من لا يرد عن نفسه ، وكيف يقوم بكفاية الغير من هو عاجز عن سياسته .
وقال الحسين : صدق التوكل استعمال السبب مع ترك الاختيار قال اللّه :
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ . . .
الآية .
وقال الواسطي : التوكل الصبر بطوارق المحن .
[ تفسير الآية 68 ]
قال الأستاذ في قوله :
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ
يحتمل أن يكون أراد بتفريقهم في الدخول لعل واحدا منهم يقع بصره على يوسف عليه السلام إن لم يره الاخر قول اللّه تعالى :
وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ
بيّن اللّه سبحانه أن ما أوصى يعقوب عليه السلام لبنيه قهر نظر نوري أبصر به كينونة القدر ؛ فاستقبله به لا بنفسه ، وكان عالما بما رأى بأمور استعمال الشريعة والغفل
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .