تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
وفهومهم وهو كقول يوسف :
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
.

[ تفسير الآية 56 ]

ثم بيّن سبحانه تمكين يوسف عليه السلام ومكانته واستقلاله بنفسه في مقام الرسالة والنبوة بقوله :
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ
: الإشارة فيه ملك بحسنه وجماله ولطفه وكماله أرض قلوب الخلق محبة وهيبة ، تجلس محبته حيث شاءت في صميم فؤاد الناس ، بقوله :
يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ
، أضاف مكانة يوسف عليه السلام إلى نفسه ، لا إلى سبب من أسباب الحدثان ، وذلك إشارة إلى سبق العناية له بالرسالة ، وكسائه كسوة جماله وجلاله . ثم بيّن أن ذلك رحمته الأزلية التي خصّ بها من يشاء من عباده :
نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ
: رحمته كشف مشاهدته للأنبياء الأولياء ، وتعريف نفسه بكشف الصفات لهم إياهم حتى عرفوه به ، وسهّل عليهم طريق عرفانه حيث رفع بينه وبينهم علل المجاهدات والرياضات . وذلك منّة عظيمة ، ورحمة كافية إذ كشف عزّة السّرمديّة للادميين ، وما مال بأنهم لا يستحقون شهودهم مشاهدته ، وأنى لهم مع حدوثيتهم البقاء مع القديم الأزلي الأبدي ، ويتلاشى الأكوان والحدثان في الأول بديهة سطوات عزته وظهور مجد جلاله ، ولكن تجاوز عنهم وعن حدوثيتهم برحمته ، وأراهم ما لم يكن لغيرهم من المكروبين والروحانيين ؛ لأنه تعالى اختارهم في الأزل لنفسه ولوصاله ، وكشف جماله ، ووضع أسراره في قلوبهم ، أي : بلوغ يوسف عليه السلام إلى هذه المراتب السنية الرفيعة ،
بِرَحْمَتِنا
بعنايتنا وكرمنا . هذا مكان العناية التي انقطع عندها الأسباب ، ثم بيّن أنه مع جلاله ولطفه لا يضيع أجر العاملين الذين سلكوا سبيل الأعمال ؛ فيصلوا إلى درجة الأحوال بقوله :
وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
أجر أهل الإحسان كشف الجمال مشاهدة الرحمن ، وإحسانهم طلب طلوع صبح الأزل من مشارق الأبد بعيون الأرواح ، ودوران بصائر الأسرار . ألا ترى إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم في جوابه السائل عن الإحسان ، قال : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ؛ فإنه يراك » « 1 » . فإحسان يوسف عليه السلام مراقبة اللّه في بلائه ، وذلك الإحسان والمراقبة من عصمة اللّه ورحمته ؛ لأن العصمة مقرونة بالاصطفائية ، وكيف كان معصوما من لم يسبق له الاصطفائية في الأزل ، وأيضا إحسان يوسف عليه السلام العفو والكرم للخاطئين ، وتعريف اللّه بوصفه وصفاته إلى عباده ليحبوه ويطيعوه ، وأيضا إحسان يوسف عليه السلام كشف جماله لأهل البلاء والقحط حتى
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 4404 ) ، ومسلم ( 9 ) .