تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
قال أبو بكر الوراق : الحياة الدنيا هي ارتكاب الأماني ، واتباع الشهوات والجولان في ميادين الآمال والغفلة عن بغتة الآجال ، وجمع ما فيها من الأموال من وجوه الحرام والحلال في زينة الدنيا هي ما أظهر اللّه فيها من أنواع العلائق التي أخبر اللّه عنها بقوله :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 )
.

[ تفسير الآية 17 ]

وتصديق ما ذكرنا من وصف العارفين والمرائين قوله سبحانه :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
، تقدير الآية على وجه الاستفهام ،
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
كمن هو في الضلالة والجهالة ، أفمن كان معرفة من ربه وولاية وعلامة من كراماته وكل عارف إذا شهد الحق سبحانه بقلبه وروحه عقله وسره ، وأدرك فيض أنوار جماله وقربه يؤثر ذلك في هياكله ، حتى يبرز من وجهه نور اللّه الساطع ، ويراه كل صاحب نظر ، قال تعالى :
وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
: فالبينة بصيرة المعرفة ، والشاهد بروز نور المشاهدة منه . وأيضا : البينة كلام المعرفة وشاهده الكتاب والسنة ، ومن كان بهذه المثابة يرى بعين الحق مكنون الغيوب وأسرار القلوب ، ومشاهدته غالبة على يقينه ، ويقينه غالب على بصيرته ، وبصيرته غالبة على عقله ، وعقله غالب على نفسه بحيث لا يزاحم هواجسها على مناطق الغيب ، وظلمتها لا تغشى أنوار القرب ، بل هي فانية بحياتها تحت وارد الحق من الكشف والعيان والبيان ، ويبين ما قلنا ويصدقه قوله تعالى :
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
: كل وارد من الحق فهو الحق حين زالت عنده معارضة النفس ، فإن خطر معارضة في أول نزول الوارد فهي امتحان الحق فيرد عليها واردات حقيقة فتزيلها أصلا ، قال اللّه :
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
حين بقيت الواردات وزالت المعارضات . قال أبو عثمان : من كان على البينة لا يخفى عليه سرّ . وقال رويم : البينة هي الإشراف على القلوب ، والحكم على الغيوب . قال الجنيد : البينة حقيقة يؤيدها ظاهر العلم . قال أبو بكر بن طاهر : من كان من ربه على بينة كانت جوارحه وقف على الطاعات والموافقات ، ولسانه مزمورا بالذكر ونشر الآلاء والنعماء ، وقلبه منورا بأنوار التوفيق وضياء التحقيق ، وسره وروحه مشاهد للحق في جميع الأوقات ، عالما بما يبدو من مكنون الغيوب ومستورها ، ورؤيته للأشياء رؤية يقين لا شكّ فيه ، وحكمه على الخلق كحكم الحق ، لا ينطق