السَّيِّئاتُ عَنِّي
: أذقناه نعماء الوصال بعد ضراء الفراق ، أذقناه من شراب الوداد بعد رجوعه إلى المراد ، يطربه المواجيد ، فيسكره أنوار شراب الوصلة ، فيهيج نفسه بهيجان قلبه ، ويضطرب ويفرح بذهاب ظلمة الهجران عنه ، ويظن أن الأوقات باقيات عليه ، فيدّعى بدعاوي البشرية بالمقامات والأحوال عند الخلق ، وذلك غلط عظيم يفرح بغلطه ، ولا يعلم مزلة قدمه فيكون بعد ذهاب الوقت كما كان ، وذلك معنى قوله :
إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
.
[ تفسير الآية 11 ]
ثم استثنى اللّه سبحانه أهل الاستقامة والثبات في موازات تجلي أنوار قدمه بنعت الخنوع والفناء حتى يجري عليهم بديهة المكاشفة وصولات الوقت بقوله :
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
: أي : صبروا فيما وجدوا من أعلى الزلفى ، وأرفع القربة ، ولا يفشون تلك الأسرار عند الخلق بنعت الدعوى .
قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ ( 10 )
.
ومعنى قوله :
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
: استقامتهم على تدارك الأوقات بوصف وضع أقدام الصدق على هواهم ؛ حيث يراعون أنفاسهم ، ويقدّسونها عن شربها مع الخطرات ، ثم وعد اللّه لهم بصبرهم واستقامتهم ، وتدارك أحوالهم غفران ما مضى من الفترة والغفلة ، وأنه تعالى يسترهم عن نفوسهم ، وهواجسها ، وشياطينهم ، ووساوسها بقوله :
أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
: المغفرة : إقبال اللّه عليهم بوصف قبولهم ، والأجر الكبير دوام الأوقات على السرمدية وتواتر المواجيد ، وبلوغهم إلى انبساطات الأول بوصف رفع الاحتشام ، وتذكير ما سلف من الفرقة .
وقال الأستاذ في تفسير قوله :
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ
: من استمسك بعروة التضرع ، واعتكف بقوة التذلل ، وتحسا كاسات الحسرة ، علا بعد نهل طالعه الحق بنعت الرحمة ، وجدد له ما اندرس من أحوال القربة ، وأطلع عليه شمس الإقبال بعد الأفول والغيبة ، كما قيل :
تقشّع غيم الهجر عن قمر الحبّ * وأشرق نور الصبح في ظلمة الغيب
وليس لأحوال الدنيوية كبير خطر في التحقيق ، ولا بعد نوالها وتكدّرها من جملة المحن عند أرباب التحصيل ؛ لكن المحبة الكبرى ، والوزنة العظمى تذبل غصن الوصال ، وتكدّر مشرب القرب ، وأفول شوارق الأنس ، ومد بصائر أرباب الشهود ، فعند ذلك تقوم قيامتهم ،