تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 23 إلى 26 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 23 ) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 24 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 25 ) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 26 )

[ تفسير الآية 23 ]

قال بعضهم : كيف يستطيع السمع من لم يفتح مسامعه لسماع الحق ، وكيف يبصر من لم يكتحل بنور التوفيق ؛ إذ لا سماع إلا عن إسماع ، ولا بصر إلا عن إبصار . قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ
:
آمَنُوا
أي : أيقنوا مواعيد الغيب بنعت رؤيتها ،
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
بذلوا مهجهم للوصول إلى قرب الحق ، وزكوا سرائرهم بصفاء الذكر وجولان الفكر ،
وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ
: فنوا تحت أنوار سلطان كبريائه حين عاينوها بأبصار أسرارهم ، أولئك أصحاب مشاهدة صفات البقاء بعد إفنائهم في أنوار صفات القدم ، باقون في البقاء ؛ لأنهم لا يزالون بعد ذلك إلا أصحاب الصحو بعد المحو . قال شاه الكرماني - رحمة اللّه عليه : الإخبات ثلاثة : غم الإياس مع التوبة لكثرة العود إلى الذنوب ، وخوف الاستدراج في إسبال الستر ، وتوقع العقوبة في كل وقت حذر ، أو إشفاقا من العدل .

[ تفسير الآية 24 ]

قال الأستاذ : الإخبات التخشع للّه بالقلب بدوام الانكسار ، ومن علامات المخبتين الذبول تحت جريان المقادير بدوام الاستعانة بالسر ، ثم أن اللّه سبحانه فرّق بين المقبولة في الأزل بنعت اصطفائيتهم بالولاية ، وبين المطرودين في القدم باحتجابهم عن الوصلة والمشاهدة بقوله :
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ
« 1 » : مثل المحق والمدعي كمثل السميع والبصير والأعلى السميع يسمع بسمع الحق من الحق كلمات الحق التي يفرق بها بين لمات الملكوتية ، والهواجس النفسانية ، ويبصر ببصر الحق جمال الحق الذي ينور بصائر العارفين ، وأبصار المحبين بحيث يرون بها ضمائر القلوب ، وحقائق الغيوب فهذه
هامش
( 1 ) فمثل الكافر كمن جمع بين العمى والصمم ، ومثل المؤمن كمن جمع بين السمع والبصر . فالواو لعطف الصفات ، ويجوز أن يكون شبه الكافر بمن هو أعمى فقط ، وبمن هو أصم فقط والمؤمن بضدهما ، فهو تمثيل للكافرين بمثالين ، قاله ابن جزي . وقال البيضاوي : يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى ؛ لتعاميه عن آيات اللّه ، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام اللّه ، وتأبيه عن تدبره معانيه . أو تشبيه المؤمن بالسميع والبصير ؛ لأن أمره بالضد ، فيكون كل منهما مشّبها باثنين باعتبار وصفين . أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم ، والمؤمن بالجامع بين ضديهما ، والعاطف لعطف الصفة على الصفة . البحر المديد ( 3 / 40 ) .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 114 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )