تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨

[ تفسير الآية 6 ]

قوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
: دعا الجمهور بلسان التوحيد إلى منازل التفريد ؛ ليدخلوا إلى مرابع الرضا ، ويجلسوا على مساند الصفا ، وينظروا في مرآة الأقدار مباصر الأنوار ، لتطمئن أسرارهم في جريان التقدير ، بما رأوا من سوابق القسمة ، وأوائل الحكمة لكل دابة رزق عليه بقدر حوصلتها ، فرزق الظاهر للأشباح ، ورزق المشاهدة للأرواح ، ورزق الوصلة للأسرار ، ورزق الرهبة للنفوس ، ورزق الرغبة للعقول ، ورزق القربة للقلوب ، ورزق الملائكة الخوف والذكر ، ورزق الجن الزجر والوعيد ، ورزق الحيوان روح العنصر ، ورزق الحشرات خطرات التسبيح ، ورزق السباع اقتحام ظلام عظمة الأفعال ، ورزق الطيور الفرح والتهليل ، ورزق الإنسان الذي تعيش به هو فيض الفعل وروح الفعل ، ونور الصفة وشهود سنا الذات على الأسرار ، وهو تعالى بلطفه يعلم مصارف الجميع من أفعاله وصفاته وذاته لمّا قال :
وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها
: مستقر الأرواح أنوار ذاته ، ومستقر القلوب أنوار صفاته ، ومستقر العقول أنوار أفعاله ، مستودع العقول العبادات ، ومستودع القلوب المشاهدات ، ومستودع الأرواح المكاشفات ، ومستقر الأشباح أكناف الآيات ،
وَمُسْتَوْدَعَها
قبور المجاهدات ، ومستقر العقول الأذكار ومستودعها الأفكار ، ومستقر القلوب المحبة ،
وَمُسْتَوْدَعَها
المعرفة ، ومستقر الأرواح التوحيد ،
وَمُسْتَوْدَعَها
الفناء في الموحد مستقر الجميع أصلاب العدم ،
وَمُسْتَوْدَعَها
أنوار القدم . قيل : قرأ يوسف بن الحسين هذه الآية ، ثم قال : ندب اللّه عباده جميعا إلى التوكل والاعتماد ، فأبوا بأجمعهم إلا اعتماد على عواري ما ملكوا إلا فقراء المهاجرين ، ثم جرت تلك البركة في الفقراء الصادقين إلى من ترسم بهم من الصوفية ، فالخلق أبو الاعتماد على الأسباب ، وأبت هذه الطائفة أن تعتمد على غير المسبب ، وهو من أشد المناهج . قيل :
وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها
ظاهر إسلامه ،
وَمُسْتَوْدَعَها
باطن إيمانه . وقيل :
وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها
من الخلق ،
وَمُسْتَوْدَعَها
من الحق . وقيل :
مُسْتَقَرَّها
في الطاعات ،
وَمُسْتَوْدَعَها
في الأحوال . يقال : مستقر العابدين المساجد ، ومستقر العارفين المشاهد . ويقال : النفوس مستودع التوفيق من اللّه ، والقلوب مستودع التحقيق من قبل اللّه . قيل : القلوب مستودع المعرفة ، والمعرفة وديعة فيها ، والأرواح مستودع المحبة ، فالمحاب ودائع فيها ، والأسرار مستودع المشاهدات ، فالمشاهدات ودائع اللّه « 1 » .
هامش
( 1 ) قال ابن عجيبة : أي : يعلم مستقرها في العلم ، ومستودعها في العمل ، أو مستقرها في الحال ، ومستودعها -