[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 68 إلى 69 ]
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 ) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 69 )
قوله تعالى :
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
أي : كل خطاب من خطابنا معدن من ذاتنا ؛ لأن خطابنا كلامنا ، وكلامنا صفتنا قائمة بذاتنا ، وذاتنا معدن صفاتنا ، فإذا ورد أمر كان وارد خبر الغيب ، وخبر الغيب وارد الخطاب ، ووارد الخطاب وارد الكلام الذي هو صفة الأزل التي سطع نورها من ذات القديم ، وورد على أشكال الأمر والفعل ، فيكون على قدر عقول الخلق ، ولو خرج صرفا لم يحتمل الحدثان ، ويضمحل فيه الزمان والأكوان ؛ لأن نعوت الأزلية لا تحملها إلا صفة الأزلية .
وأيضا : لكل خبر على صورة المدركة مراد من اللّه سبحانه الذي يوافق خبر الغيب ، ولا يفهمه إلا رباني الصفة .
وأيضا : لكل خطاب من اللّه سبحانه من قلوب العارفين مستقرّ لا تنزل إلا في مستقره ، هناك لا يضطرب الخبر ؛ لأن هناك مسقط تجلّي الأزل ، وخبر الأزل في موضع تجلّي الأزل يستقر ؛ لأنه أهله .
قال عليه السلام : « أهل القرآن أهل اللّه وخاصّته » « 1 » .
وأيضا : لكل نبأ بيان يدل ذلك إلى مقام من مقامات الصديقين ، مثلما ذكر في القرآن أوصافهم ، ونعوتهم من المحبة ، والخوف ، والرجاء ، والصدق ، والإخلاص ، والمعرفة ، والتوحيد ، والإيمان ، والإيقان ، والمشاهدة ، والمكاشفة ، والحضور ، وإلقاء السمع ، وأمثال ما ذكرنا يوجب الخبر ، وصف فوائد تلك المقامات لأهلها ، ولا يستلذه ، الحمد للّه الذي خصّ أولياءه بهذه المقامات .
وأيضا : لكل نبأ من أوقات العارفين وقت ، ينزل على قلوبهم على قدر الوقت ليدل على معالي درجات الغيب .
قال الحسين : لكل دعوى كشف .
قوله تعالى :
وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
وصف رعايته تعالى أهل حضرته الذين خرجوا بنعت التجريد من أنفسهم ، ومن الأكوان جميعا ، ألا يطرأ عليهم من طوارق القهر التي استأصلت أعداء اللّه بمماسة قهرها ، أي : لا يرجع شرّ الأعداء إلى الأولياء في الدنيا والآخرة ؛ لأنهم مصونون بكلاءة اللّه وحفظه إياهم ، ووصفهم بتمام الآية
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة ( 1 / 78 ) ، وأحمد ( 3 / 242 ) .