تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
المحبين والمشتاقين والعارفين إلا بعلمه على خاصيتهم واصطفائيتهم بذلك ، ولا يكون حبة المحبة في غيوبات قلوب المحبين إلا هو تعالى يربّيها بمياه لطفه ورياح كرمه ، وبياض نهار مشاهدته ، وسبل إسبال ستر رعايته حتى رسخت أصلها في أرض القلب ، وأثمرت فرعها في سماء اليقين . قال تعالى :
أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ
أخبر سبحانه بإحاطة علمه على كل ذرة من العرش إلى الثرى ، وعن شمول أنوار سلطان كبريائه بنعت الغلبة على جميع الحدثان ظاهرا وباطنا
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
[ سبأ : 3 ] ، وهدد به العباد ؛ ليفرغوا منه إليه عند كل خاطر يخطر على قلوبهم يشير إلى غيره ، فإنه يعلم السرّ وأخفى ، وبيّن أن جميع المقدورات من العرش إلى الثرى في كونيتها من العدم إلى الوجود ، ومن الوجود إلى العدم يكون بسابق مشيئته الأزلية ، وإرادته القديمة ، وأن جميعها مكتوب على ألواح الصمدية بأقلام أقداره ، الغربة محفوظة من تغير الحدثان في تلون الزمان والمكان . وصحة ذلك قوله سبحانه :
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ الأنعام : 59 ] رطوبتها من أثر نسيم شمال ربيع لطف مشاهدته ، وخضرتها من نضارة ظهور عرائس قدرته ، وصفرتها من تأثير رياح خريف قهره ، وسقوطها من حدة صولة نظر عظمته ، وبدوها خضوعا لربوبيته ، وزوالها من تقديس جلاله عن علة الكون والوجود والعدم . قال الواسطي في قوله تعالى :
وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها
: متى علمها حين لا متى ؟ قيل : نضرتها وخضرتها وذهابها حتى لا يوجد منها شيء ، فما ستر من صفاته ، وما أظهر واحد ، ذلك على قدر الكون ، إنّما يتكلم بأقدارنا ، ويشير بأخطارنا ، ولو كان قدره كان الهلاك . وقيل في قوله :
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ
: فالاضطرار في أن يقدم ما أخّر أو يؤخر ما قدّم منازعة لربوبيته وخروجا عن عبديته . قال أبو سعيد القرشي في هذه الآية : ما من دابة إلا ولها ورقة خضراء معلقة من تحت العرش ، فإذا يبست الورقة وقعت بين يدي ملك الموت ، مكتوب عليها اسمه واسم أبيه ، يعلم ملك الموت قد أمر به بقبض روحه فيقبض روحه . وفي الحديث المروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « ما من زرع على الأرض ولا ثمار على الأشجار