انقطاع ،
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
« 1 » حيث وجدهم متحيرين عن إدراك كنه القدم بعد فنائهم فيه ،
وَرَضُوا عَنْهُ
بما وجدوا منه من لذّة مشاهدته ، وحلاوة خطابه ، وهذا الرضا انسداد أبواب كشوف القدم عليهم ، وإبقاؤهم فيما هم فيه ، ولو عرفوا قلّة حفظهم عن القدم لماتوا جميعا في الحيرة ، وكيف رضي عنه من عرفه ، وكيف سكن عنه ، وإن كان في مشاهدته عن إدراكه بنعت التوحيد ، ولولا فضله ورحمته لفنوا في قهر سلطان كبريائه ، ولم يبقوا بعد ، فبقاؤهم وتخليصهم من فنائهم فيه ، فبفوز عظيم وظفر كريم ليتمتعوا لوصاله أبدا ،
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
خصّ ملك الإيجاد والإبداع ، وزال عمن سواه ملكه .
سورة الأنعام
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 1 إلى 3 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 ) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ( 3 )
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
جعل حمده في الأزل طريقا للعباد إلى حمد جلاله ، وثناء جماله ، علم في القدم نفسه ، وأوجب الحمد قطعا قبل كون الكون مقابل عين الذات والصفات ، فلم ير بحمل حمده ، فحمل بنفسه حمد نفسه ، ورفع الحمد عن الحدث علما بأن الحدث يكون مثلا شيئا في أوائل حمده ؛ لأن حمده لا يكون إلا بمعرفة المحمود حقيقة بجميع ذاته وصفاته ، وذلك مستحيل ؛ لأن حقيقة ذاته وصفاته غير متناهية ، وكيف يدرك المتناهي صفات الذي هو غير متناه .
وأيضا : قطع الحمد عن غير نفسه ، وبيّن ألا يستحق للحمد الحقيقي إلا وجوده بقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
« 2 » أي : للّه لا لغير اللّه .
هامش
( 1 ) رضاء الحق سبحانه : إثبات محلّ لهم ، وثناؤه عليهم ومدحه لهم ، وتخصيصهم بأفضاله وفنون نواله ، ورضاؤهم عن الحق سبحانه في الآخرة وصولهم إلى مناهم ؛ فهو الفوز العظيم ، والنجاة الكبرى [ تفسير القشيري ( 2 / 193 ) ] .
( 2 ) حقيقة الحمد الثناء على المحمود ، بذكر نعوته الجليلة وأفعاله الجميلة ، واللام هاهنا للجنس ، ومقتضاها الاستغراق ؛ فجميع المحامد للّه سبحانه إمّا وصفا وإمّا خلقا ، فله الحمد لظهور سلطانه ، وله الشكر