[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 54 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 54 )
قوله تعالى :
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
إن اللّه تعالى وبّخ المفلسين من أهل الرّدة بأن ليس لهم في محبة اللّه نصيب بارتدادهم عن الإسلام ، وأخبر أنه يجيء بقوم إن اللّه تعالى قد أحبهم في الأزل وهم بمحبته يحبونه ، وهم يوافقون النبي - صلى اللّه عليه وآله وأصحابه - بشرط المحبة ؛ لأن من شرط المحبة الموافقة والطاعة ، وبيّن أن من لم يكن مطيعا لم يكن محبّا ، قال تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
، وفي الآية ذكر شرف الصحابة والتابعين من بعدهم ، وبيّن تعالى أن المحبة من خواص صفته الأزلية ؛ لأنه كان بذاته يحب أحباءه ، وكان ذاته موصوفا بالمحبة الأزلية ، وكما أنه تعالى يحب الأولياء بذاته وصفاته فهم يحبون اللّه بذاتهم وصفاتهم من جميع الوجوه ؛ لأن مصدر المحبة القدم ، وليس هناك فعل ، ومحبة العباد مصدرها قلوبهم ، وليس هناك فعل ، وأصل المحبة وقع بغير العلّة من الآلاء والنعماء والأفعال والحركات ؛ كأن سبحانه أحبهم بعلمه في الأزل قبل إيجادهم باصطفائية ، فكأنه قد أحب نفسه ، لأن كونهم لم يكن إلا بكون وجوده ، ووجوده سبب وجودهم ، وهو تعالى أحب فعله ومرجع الفعل صفته ، فكأنه أحب صفته ، ومرجح صفته ذاته ، فكأنه أحب ذاته ، لم يكن الغير في البين ، فكان هو المحب وهو المحبوب وصفته المحبة ، وهم يحبونه بتجلي الصفة في قلوبهم ، وهو مباشرة نور محبته في فؤادهم ، فلمّا تكحلت أرواحهم بنور محبته فطاب مصدر أصل الصفة ، فوجدت مشاهدة الأزل عيانا بلا حجاب ، فأحبتها بالمحبة الأصلية التي لا تتحول من مصرف الأصل أبدا ، فإذا كان كذلك فالمحب والمحبوب والمحبة في عين الجمع واحد ، وهذه إشارة قوله سبحانه بلسان نبيه - صلى اللّه عليه وآله وسلم - حيث أخبر عن المحب المتحد المتصف بصفاته ، قال في أثناء الحديث : « فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا » « 1 » .
وفي هذا المعنى أنشد الحسين بن منصور فقال :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا
قال الواسطي في هذه الآية : كما أنه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته ؛ لأن الهاء راجعة إلى
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 8 / 319 ) .