تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
والسواقي ، وكيف خصّ بعضا بالرحيق المختوم بقوله :
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ( 25 ) خِتامُهُ مِسْكٌ
[ المطففين : 25 ، 26 ] ، وذلك رحمة منه على الجمهور ، ولتفاوت فوائد استنباط علوم الغيبية من مراد اللّه ، قال عليه السلام : « اختلاف العلماء رحمة » « 1 » ، ولاختيارهم في طريقهم بحقائق العبودية وعرفان الربوبية ، وهذا قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
يعني شيوخا وأكابر بغير المريدين والسالكين ،
وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ
من المقامات الشريفة والأحوال السنية ، كيف تخرجون من دعواكم بحقيقة عبوديته ؟ وتخرجون جواهر العلوم من كتابي وحكمتي . ثم خاطبهم جميعا بقوله تعالى :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
عرّفهم مكان تقصيرهم ، أي : ما أدركتم مني في جنب ما عندي لكم كقطرة في بحر ، سارعوا إلى خيرات مشاهدتي ، وجميل عطاياتي . ثم أفردهم ممّا وجدوا إلى عين جلاله بقوله تعالى :
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
أي : إليه مرجع افتقاركم من مقاماتكم إليه ، لزيادة القربة والمعرفة ، وهناك يظهر تفاضل درجاتكم ، وما غاب عنكم من حقائق أسراري ، ونوادر لطائفي ، وهذا معنى قوله تعالى :
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
. قال بعضهم في قول :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
كلّ قد فتح له طريق إلى اللّه ، فمن استقام على الطريقة وصل إلى اللّه ، ومن زاغ وقع في سبيل الشيطان ، وضلّ عن سواء السبيل . وقال أبو يزيد البسطامي : الطريق إلى اللّه بعدد الخلق ، ولكن السعيد من هدي إلى طريق من تلك الطرق . قال الأستاذ في قوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ
أي : ولو شاء اللّه لسوّى مراتبكم ، ولكن غاير بينكم ابتلاء ، وفضّل بعضكم على بعض امتحانا . وقال في قوله :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
: مسارعة كل واحد على ما يليق بوقته ؛ فالعابدون تقدمهم من حيث الأوراد ، والعارفون بهممهم من حيث المواجيد . ويقال : استباق الزاهدين برفع الدنيا ، واستباق العابدين بقطع الهوى ، واستباق العارفين بنفي المنى ، واستباق الموحدين بترك الورى ، ولسان الدنيا والعقبة .
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 10 / 36 ) .