تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
قوله تعالى :
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ
« 1 » الربّاني الذي نسب إلى الرب بالمعرفة والمحبة والتوحيد ، فإذا وصل إلى الحق بهذه المراتب والاستقامة في شهوده جلاله وجماله صار متصفا بصفات اللّه ، حاملا أنوار ذاته ، فإذا فني عن نفسه بقي بربه صار ربانيا ، مثله مثل الحديد في النار ؛ فإذا لم يكن في النار كان مستعدا لقبول النار ولم تكن نارا ، فإذا وصل إلى النار واحمرّ صار نارا ، هكذا شأن العارف ، فإذا كان منورا بتجلّي الرب صار ربانيّا روحانيّا نورانيّا ملكوتيّا جبروتيّا ، كلامه من الرب إلى الرب مع الرب ، فالربانيون عشّاق اللّه وأحباؤه ، الحاضرون من بين يديه ، المكاشفون وجه اللّه سبحانه ، والأحبار الذين يسمعون كلام اللّه من اللّه بواسطة المفرقون بين الحق والباطل بنور اللّه . قيل : الربانيون الراجعون إلى الرب في جميع أحوالهم ، والأحبار العلماء باللّه وبآياته . وقيل : الربانيون العلماء باللّه ، والأحبار العلماء بأحكام اللّه . وقال ابن طاهر : الربانيون هم الصحابة الذين أخذوا كلام الرب عن السفير الأعلى ، والواسطة الأدنى ، والأحبار علماء الأمة العاملون بعلمهم . قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
العارف مخاطب من اللّه في جميع أنفاسه وحركاته ، يتنزل على قلبه من اللّه وحي الإلهام ، وربما يخاطبه بنفسه ، ويكلمه بكلامه ، ويحدثه بحديثه كقوله عليه السلام : « إن في أمتي محدّثين ومكلّمين ، وإن عمر منهم » « 2 » ، فإذا لم يحكم بنفسه بما أنزل اللّه على قلبه بأن يخرجها من الشك إلى اليقين ، ومن الظلمة إلى النور ، ومن المخالفة إلى المتابعة ، ومن الكذب إلى الصدق ، ومن الشرك إلى التوحيد ، ومن الظلم إلى العدل ، ومن العصيان إلى الطاعة ، يكون موصوفا بأواخر هذه الآيات الثلاثة ، كفر أنعام اللّه الذي هو مقام الخطاب ، وظلم بأنه لم يضيع علمه على علمه ، وفسق عن مراد اللّه إلى مراد نفسه . قال بعضهم : من لم يحكم للناس بحكمه على نفسه قد كفر نعم اللّه عنده ، وجحد سني مواهبه لديه ؛ فظلم نفسه بذلك .
هامش
( 1 ) الربانيّ من كان للّه وباللّه ؛ لم تبق منه بقية لغير اللّه ، ويقال : الربّانيّ الذي ارتقى عن الحدود ، والربانيّ من توقّى الآفات ثم ترقّى إلى الساحات ، ثم تلقّى ما كوشف به من زوائد القربات ، فخلا عن نفسه ، وصفا عن وصفه ، وقام لربّه وبربّه ، وقد جعل اللّه الربانيين تالين للأنبياء الذين هم أولو الدّين ، فهم خلفاء ينهون الخلق بممارسة أحوالهم أكثر مما ينهونهم بأقوالهم ، فإنهم إذا أشاروا إلى اللّه حقق اللّه ما يؤمنون إليه ، وتحقق ما علقوا هممهم به [ تفسير القشيري ( 2 / 144 ) ] . ( 2 ) ذكره القرطبي في التفسير ( 13 / 174 ) .