تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
قوله تعالى :
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
« 1 » أمر بشيئين : العبودية والإخلاص في العبودية ، ولا تكون العبادة مع الشرك ، ولا يكون الإخلاص والتوحيد بغير العبادة ، فطلب التوحيد بنعت إفراد القدم عن الحدوث ، ونفي الأنداد والأضداد ، وطلب العبادة المقرونة بهذا التوحيد ؛ لتكون العبادة موافقة للتوحيد ، ويكون التوحيد موافقا لتنزيه القدم . خلق النفس مع حظها ، وأمر العباد بتقديس حظ اليقين عن اليقين ، وكيف يكون تبديل الخلق وطبع النفس أن يكون مائلا إلى غير اللّه - تعالى - أي : اطلبوا مني تقديس الأسرار في كشوف الأنوار ؛ فإني قادر على أن أزمّها بأزمّة الوحدانية ، وأسيرها خاضعة لفردانيتي . وأيضا : اعبدوا اللّه للّه ، لا على رؤية العوض والعبادة ؛ فإنهما شرك العارفين ، واعبدوه على رؤية التقصير ؛ فإنها عبادة الموحدين ، وأيضا : شغلهم منه به ، ولو أحبهم بالحب البالغ أسكرهم بشراب القرب والمشاهدة ، وأوقعهم في بحار القدم بعد خروجهم من العدم ، وهذا آخر الأمر في المحبة والمعرفة ؛ ألا ترى كيف وقع بالامتحان من أهل الجنة ، وأخبر عنهم بما وجدوا من راحة القرب والمشاهدة بغير نصب الامتحان
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ
[ فاطر : 35 ] . قال أبو يزيد : إن اللّه سبحانه نظر في العالم فلم ير أهلا لمعرفته ، فشغلهم بعبادته . قال أبو عثمان : حقيقة العبودية قطع العلائق والشركاء عن الشرك . وقال الواسطي : الشرك رؤية التقصير والعزة من نفسه والملامة عليها ، يقال له : ألزمت الملامة من تولى إقامتها ومن قضي عليها الشره . وقال بعضهم : العبودية فناؤك عن مشاهدتك في مشاهدة من تعبده . قوله تعالى :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
الوالدان : مشايخ المعرفة ، وإحسان المريدين إليهم بوضع أعناقهم عند ساحاتهم بنعت ترك مخالفاتهم في جميع الأنفاس مع نشر فضائلهم عند الخلق والدعاء لهم بمزيد القرب . قال الجنيد : أمرني أبي أمرا ، وأمرني السري أمرا ، فقدّمت أمر السري على أمر أبي ، وكل ما وجدت فهو من بركاته . قوله :
وَبِذِي الْقُرْبى
أي : إخوان المحبة من أهل قربة اللّه .
هامش
( 1 ) العبادة موافقة الأمر ، وهي استفراغ الطاقة في مطالبات تحقيق الغيب ، ويدخل فيه التوحيد بالقلب ، والتجريد بالسر ، والتفريد بالقصد ، والخضوع بالنفس ، والاستسلام للحكم ، ويقال : اعبدوه بالتجرد عن المحظورات ، والتجلد في أداء الطاعات ، ومقابلة الواجبات بالخشوع والاستكانة ، والتجافي عن التعريج في منازل الكسل والاستهانة [ تفسير القشيري ( 1 / 28 ) ] .