تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
الصدّيقين العارفين ، وتنشر له مطويات أسرار المحبين وفضائل أحوال المشتاقين . وأيضا :
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى
صورتك التي هي حاملة الروح ، والإحسان إليها أن تفطم جوارحها من حظوظ المعاصي والشهوات .
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ
يعني رفيقك في سفر الغيب ، الذي هيّجه حب اللّه إليه ، وشوقه معرفة اللّه إلى معرفة اللّه ؛ فأنفاسه أنفاسك ، وسرّه سرّك ، ومقامه مقامك ، وهو قرينك في غربة الأزل ، وأسفار الأبد ، وإحسانك إليه ؛ إذ كاد ينقطع بلذة المحبة من المحبوب ، لن تخوفه من مكره ، وترغبه إلى طلب الفناء فيه . وأيضا :
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ
هو قلبك ، وإحسانك إليه أن تفرده من الحدثان ، وتشوقه إلى جمال الرحمن . وأيضا :
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ
هي النفس الأمّارة بالسوء ، التي قال سيد المرسلين وإمام العالمين محمد صلى اللّه عليه وسلّم : « أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك » « 1 » ، وإحسانك إليها أن تحبسها في سجن العبودية ، وتمنعها عن الشهوة ، وتحرقها بنيران المحبة ، وتزر ترابها برياح المعرفة ، حتى لا يبقى في جار اللّه غير اللّه .
وَابْنِ السَّبِيلِ
أي : غريب اللّه في بلاد اللّه ؛ حيث لا يعرفه سوى اللّه ، الذي يتطرق إليه من نور الأفعال إلى نور الصفات ، ومن نور الصفات إلى نور الذات ، وهو في غربة الآزال والآباد لا يذكر روعته ولا يطفئ حرقته ، ويزيد تحيره وتغربه ، لا يعرفه أحد يواسيه ، قال عليه السلام : « إن حضروا لم يعرفوا ، وإن غابوا لم يفتقدوا » « 2 » . وزاد في وصفهم : لا يفتح لهم السدد ، ولا يروحهم المنعمات ، أنوار قلوبهم أنور بنور الشمس ، والإحسان إليهم بدر المهجة بين أيديهم ، وزيادة الاستطابة في أوقاتهم ، ودفع الأغيار عن صحبتهم ، حتى لا يطّلع عليه أحد يمنعهم من أحوالهم ساعة .
وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
أي : مريدوكم الذين هم أرقّاء الإرادة ، والإحسان إليهم تربيتهم في طريق اللّه بآداب اللّه ، ونشر كرامة اللّه عندهم ، ودعاؤهم إلى طريق الرجاء ؛ لأن الراجي طيار ، والخائف سيار ، وتعليمهم طريق المشاهدة بلزوم المراقبة . وذكر سهل بن عبد اللّه في تفسير هذه الآية قال :
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى
هو القلب ، و
وَالْجارِ الْجُنُبِ
هو النفس ،
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ
العقل الذي ظهر على اقتضاء
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في الزهد الكبير ( 2 / 157 ) . ( 2 ) ذكره ابن الجوزي في صفوة الصفوة ( 4 / 250 ) .