تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 32 إلى 33 ] وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 32 ) وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ( 33 ) قوله تعالى :
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ
التمني هاهنا وصف النفس الأمّارة التي رأت الأشياء بعين الجهل ، وقصورها عن حقائق المقادير الأزلية التي سبقت في الجمهور على قدر مراد اللّه والاستعداد ، وذلك التمني وهمها على غير قصد الحق من رؤية هواها ، ولو كان طلب القلب سني المقامات من الحق سبحانه بنعت التواضع وصدق الافتقار لكان مما يوجب البلوغ إليه ، وذلك قوله :
وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
. وأيضا : زجرا للضعفاء عن جمال أحكام المجاهدات ، ومقام أهل المشاهدات . وقال بعضهم : لا تتمنوا منازل السادات والأكابر أن تبلغوها ، ولم تهذبوا أنفسكم في ابتداء إرادتكم برياضات السنن ، ولا إسراركم بالتطهير عن الهمم الفاسدة ، ولا قلوبكم عن الاشتغال بالفانية ، فإنّ اللّه قد فضّل بهذه الأحوال أولئك ، فلا تقربوا إلى الدرجات الأعلى ، وقد ضيقتم الحقوق الأدنى . قال أبو العباس ابن عطاء : لا تتمنوا ؛ فإنكم لا تدرون ما تحت تمنيكم ، فإن تحت أنوار نعمه نيران محنه ، وتحت نيران محنه أنوار نعمه . قال الواسطي في هذه الآية : إن تمنى ما قدر له ، فقد أساء الظن بالحق ، وإن تمنى ما لم يقدر له ، فقد أساء الثناء على اللّه بأن ينقص قسمته من أجل تمني عبده . قوله تعالى :
وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
أمر بالسؤال ، ونهى عن التمني ؛ لأن السؤال افتقار ، والتمني اختبار ، والسؤال استرداد النعمة ، والتمني الاقتحام في المحنة . وعرف تعالى طلابه عظم فسحة سرادق كبريائه وجلاله ووسع عطايا أزليته أي : أنتم يا دنيات الهمم لا تنظروا إلى فقيرات الفيض ، فإنّي واسع الفضل والعطاء ، لو أعطي ألف جنان في طرفة عين إلى عبد واحد لم ينقص من ملكي ذرة ، أين وقعتم من رؤية جلال قدمي وبحار منني ، انظروا مني إليّ ، واسألوا زيادة فضلي ، فإنّي وهّاب كريم . وافهم أنّ للسؤال مقامات ، ولتلك المقامات آداب ينبغي أن يعرفها العبد ، فإنّ من ترك السؤال في مقام الانبساط ، وسأل في مقام الهيبة استعمل سوء الأدب ، ويسقط من عين اللّه . ووبّخ اللّه سبحانه بهذه الآية أهل دناءة الهمة ، والمقصرين في طلب مشاهدته ؛ حيث