تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
الخاص بأن يتقوه وينظروا إليه دون غيره
وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
[ البقرة : 197 ] أي : يا أهل الخصوص . قوله تعالى :
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
علم الحق سبحانه على الخلق ، وميلهم عن النفوس ، فدعاهم بطاعته إلى العلتين ، المغفرة والجنة ، ودعا الخواص إلى نفسه ، قال :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
[ الذاريات : 50 ] . ثم أعلم بالكل في درك امتحان الجرم ، وأثبت بالآية ذنب الكل ؛ لأنهم وإن كانوا معصومين من الزلل فذنبهم قلة معرفتهم على أقدار الحق ، كما قال عليه السلام : « لو أن اللّه عذب الملائكة لحق منه » « 1 » . فقيل : إنهم معصومون ، فقال : من قلة معرفتهم بربهم ، ولذلك دعاهم إلى مغفرته ، وأيضا خاطب العارفين بلسان الالتباس ، ودعاهم إلى الجمع ليتجلى لهم بالوسائط ، لبقائهم في المعرفة وفي الحقيقة مغفرته قربته ، وجنته مشاهدته . قيل : طلب المغفرة هو طلب حظ النفس ، وفي آخر الآية إشارة إلى تضييق صدر الزهاد في استعظامهم ما تركوا ، فقال لهم : جنتي أجر ما تركتم ، وذكر عرض الجنة وسعتها لبخلهم ، وخسة طبعهم ، وهم الذين اتقوا الدنيا لأجل الجنة ، وفيها يصلي العارفين من صداع سوء جوار المنكرين ، فقال : جنتي واسعة اسكنوا حيث شئتم في جوار الكريم المقدس من سوء جوار المنكرين . قوله تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ
هذه الآية إشارة إلى قوم أخطئوا في السماع ، ومجالستهم مع حظوظ أنفسهم وبقايا صفات البشرية ، فهم حيث جلسوا بغير حضور ولا شهود ، ولا مراقبة ولا تقديس الأسرار في طلب الأنوار الفاحشة منهم ، سماع القول وإظهار الوجد مع حظوظ النفس وحظ البشرية ، والظلم منهم دعوى المعاملات والولايات ، وهم يعلمون أنهم ليسوا على التحقيق في السماع وإظهار الوجد ، فأدركهم اللّه بفيض رحمته ؛ حيث عرفهم فضائح نفسهم عنده ، ويلقيهم في رؤية التعبير والعتاب . ويضيق صدورهم بتلك الفاحشة والظلم ، فيذكرون اللّه بشرط الندم ، ورؤية التقصير والخجل بين يديه ، وسقوطهم عن عيون المشايخ ، فيستغفرون اللّه من كذب دعواهم بنية الصدق في التبرئ عن دعوى ما ليس لهم ، وإذا كان الأمر كذلك ، ولم يصروا على ما فعلوه ،
هامش
( 1 ) ذكره ابن عجيبة في « البحر المديد » ( 1 / 336 ) .