تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
هامش
- وأقوى ما رأيته للوقوع وهو اختياري ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعي الجليل قال : في القرآن من كل لسان . وروى مثله عن سعيد بن جبير ووهب بن منبه . فهذه إشارة إلى أن حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن أنه حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء ، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ليتم إحاكته بكل شيء ، فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب . ثم رأيت ابن النقيب صرح بذلك فقال : من خصائص القرآن على سائر كتب اللّه تعالى المنزلة أنها نزلت بلغة القوم الذين أنزلت عليهم ، لم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم ، والقرآن احتوى على جميع لغات العرب ، وأنزل فيه بلغات غيرهم من الروم والفرس والحبشة شيء كثير انتهى . وأيضا فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مرسل إلى كل أمة ، وقد قال تعالى :وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِفلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم وإن كان أصله بلغة قومه هو . وقد رأيت الجويني ذكر لوقوع المعرب في القرآن فائدة أخرى فقال : إن قيل إن : « إستبرق » ليس بعربي وغير العربي من الألفاظ دون الفصاحة والبلاغة فنقول : لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظ يقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عن ذلك ، وذلك لأن اللّه تعالى إذا حث عباده على الطاعة ، فإن لم يرغبهم بالوعد الجميل ويخوفهم بالعذاب الوبيل لا يكون حثه على وجه الحكمة ، فالوعد والوعيد نظرا إلى الفصاحة واجب . ثم إن الوعد بما يرغب فيه العقلاء وذلك منحصر في أمور الأماكن الطيبة ثم المآكل الشهية ثم المشارب الهنية ثم الملابس الرفيعة ثم المناكح اللذيذة ثم ما بعده مما يختلف فيه الطباع ، فإذا ذكر الأماكن الطيبة والوعد به لازم عند الفصيح ، ولو تركه لقال من أمر بالعبادة ووعد عليها وبالأكل والشرب إن الأكل والشرب لا ألتذ به إذا كنت في حبس أو موضع كريه ، فلذا ذكر اللّه الجنة ومساكن طيبة فيها ، وكان ينبغي أن يذكر من الملابس ما هو أرفعها ، وأرفع الملابس في الدنيا الحرير . وأما الذهب فليس مما ينسج منه ثوب ، ثم إن الثوب من غير الحرير لا يعتبر فيه الوزن والثقل وربما يكون الصفيق الخفيف أرفع من الثقيل الوزن . وأما الحرير فكلما كان ثوبه أثقل كان أرفع ، فحينئذ وجب على الفصيح أن يذكر الأثقل الأثخن ولا يتركه في الوعد لئلا يقصر في الحث والدعاء . ثم إن هذا الواجب الذكر إما أن يذكر بلفظ واحد موضوع له صريح ، أو لا يذكر بمثل هذا ، ولا شك أن الذكر باللفظ الواحد الصريح أولى لأنه -