وسائر الأقوال المذكورة لا تنافي ما ذكرته ؛ لأنه ليس مقصود القائل حصر الصادقين فيما خصه بالذكر ، بل مقصوده بيان الصادقين وتعريفهم بذكر الأشهر منهم والأظهر في نظره .
وقيل : إن الخطاب بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لأهل الكتاب . المعنى : " يا أيها الذين آمنوا " بموسى والذين آمنوا بعيسى " اتقوا اللّه " في إيمانكم بمحمد " وكونوا مع الصادقين " من المهاجرين والأنصار ومن سلك سبيلهم « 1 » .
ويجوز عندي أن يكون الخطاب بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
للمنافقين ؛ لأن هذه السورة كثيرة اللهج بذكرهم والإلمام بحديثهم ، فيكون المعنى : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم اتقوا اللّه بترك النفاق وكونوا مع الصادقين في إيمانهم من المهاجرين والأنصار وغيرهم .
قال ابن مسعود : لا يصلح الكذب في جدّ ولا هزل ، اقرؤوا إن شئتم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
« 2 » .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 120 إلى 122 ]
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 120 ) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 121 ) وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( 122 )
هامش
( 1 ) وهو قول مقاتل بن حيان . انظر : الماوردي ( 2 / 413 ) ، وزاد المسير ( 3 / 514 ) .
( 2 ) أخرجه الطبري ( 11 / 63 ) ، وابن أبي حاتم ( 6 / 1906 ) ، وسعيد بن منصور في سننه ( 5 / 292 ) ، وابن أبي شيبة ( 5 / 236 ) ، والبيهقي في الشعب ( 4 / 202 ) . وذكره السيوطي في الدر المنثور ( 4 / 316 ) وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان .