تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً )
أي معينا .

[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 2 ]

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 )
« لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ »

[ « لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ . . . »

الآية : ] فيسترك عما يستحقه صاحب الذنب من العتب والمؤاخذة ،
« وَما تَأَخَّرَ »
يسترك عن عين الذنب حتى لا يجدك فيقوم بك ، فإنه ليس للمغفرة متعلق إلا أن يسترك من الذنب أو يسترك من العقوبة عليه ، فما تقدم لا يعاقب عليه ، وما تأخر لا يصيبه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا إخبار من اللّه بعصمته صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأعلمنا بالمغفرة في الذنب المتأخر أنه معصوم بلا شك ، ويؤيد عصمته أن جعله اللّه أسوة يتأسى به ، فلما بشر صلّى اللّه عليه وسلّم بالمغفرة العامة - وقد ثبتت عصمته فليس له ذنب يغفر - لم يبق إضافة الذنب إليه إلا أن يكون هو المخاطب والقصد أمته ، كما قيل : إياك أعني فاسمعي يا جارة ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم معصوم من الذنوب ، فهو المخاطب بالمغفرة ، والمقصود من تقدم من زمان آدم إلى زمانه ، وما تأخر من الأمة من زمانه إلى يوم القيامة ، فإن الكل أمته حيث قال : [ كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ] وهو سيد النبيين والمرسلين ، فإنه سيد الناس ، وهم من الناس ، فبشر اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :
« لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ »
بعموم رسالته إلى الناس كافة بالنص ، فبشره اللّه بالمغفرة لما تقدم من ذنوب الناس وما تأخر منهم ، فكان هو المخاطب والمقصود الناس ، فيغفر اللّه للكل ويسعدهم ، وهو اللائق بعموم رحمته التي وسعت كل شيء ، وبعموم مرتبة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حيث بعث إلى الناس كافة ، ولم يقل : أرسلناك إلى هذه الأمة خاصة ، ولا إلى أهل هذا الزمان إلى يوم القيامة خاصة ، لكن ثمّ مغفرة في الدنيا ، وثمّ مغفرة في القبر ، وثمّ مغفرة في الحشر ، وثمّ مغفرة في النار بخروج منها وبغير خروج ، لكن يستر عن العذاب أن يصل إليه بما يجعل له من نعيم في النار مما يستعذبه ، فهو عذاب بلا ألم
« وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ »
بأن يعطيها خلقها ، فأخبره بهذه الآية أن نعمته التي أعطاها محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم مخلقة ، أي تامة الخلقة
« وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً »
وهو صراط ربه الذي هو عليه ، فالشرائع كلها أنوار ، وشرع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بين هذه الأنوار كنور الشمس بين أنوار
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 149 | ابن عربي / محمود محمود الغراب