التشريع المقصور عليهم ، ومنهم من يفتح له الباب بالرسالة بما شرع ، وهذان بابان أو فتحان قد منع اللّه أن يتحقق بهما أحد أو يفتح له فيهما ، إلا أهل الاجتهاد ، فإن اللّه أبقى عليهم من ذلك بعض شيء بتقرير الشرع ، فحكمه للشارع لا لهم ، فكل ما خرج من وراء الباب عند فتحه ما هو مكتسب ، والنبوة غير مكتسبة ، فنصره اللّه النصر العزيز ، فلم يصل إليه من قال باكتساب النبوة ، لأن الموصوف بالعزة لا عين للعزة إلا مع وجود الطالب لمن قامت به ، فيحمي مقامه وحضرته أن يصل طالب إليه .
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 4 ]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 4 )
[ السكينة في أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : ]
السكينة هي الأمر الذي تسكن له النفس ، لما وعدت به أو لما حصل في نفسه من طلب أمر ما ، وسميت سكينة لأنها إذا حصلت قطعت عنه وجود الهبوب إلى غير ما سكنت إليه النفس ، ومنه سمي السكين سكينا ، لكون صاحبه يقطع به ما يمكن قطعه به ، وهذا اللفظ مشتق من السكون ، وهو الثبوت ، وهو ضد الحركة فإن الحركة نقلة ، فالسكينة تعطي الثبوت على ما سكنت إليه النفس ولو سكنت إلى الحركة ، والطمأنينة سكينة أنزلها القرآن في قلوب المؤمنين ، فكانت آيات بني إسرائيل ظاهرة ، وآياتنا في قلوبنا ، إذ قال اللّه تعالى في بني إسرائيل في آية طالوت
( وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ )
فكانت السكينة شهادة في غير هذه الأمة ، وبها وبأمثالها كانت الأمة المحمدية خير أمة أخرجت للناس ، فعلامة هذه الأمة في قلوبهم ، ولم يجعل اللّه لهذه الأمة المحمدية علامة خارجة عنهم على حصولها ، فليس لهم علامة في قلوبهم سوى حصولها ، فهي دليل على نفسها ، ما تحتاج إلى دليل من خارج كما كان في بني إسرائيل ، فتنزل السكينة على المؤمنين وهم مؤمنون فتنقلهم بنزولها عن رتبة ما كانوا به مؤمنين إلى مقام معاينة ذلك ، وهو تضاعف إيمانهم بالعيان ، ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ، ولا يكون السكون في الأشياء إلا عن هيبة وتعظيم ، وقد أشهد اللّه تعالى بعض أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم السكينة في تلاوته القرآن ، وكانت له فرس فجعلت تخبط ، فرفع رأسه فرأى غمامة فيها سرج ، كلما قرأ نزلت ودنت منه ، وإذا سكت