تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
من اللّه لا يكون ، ومع ذلك أنزل نفسه في هذا الإخبار منزلة من يستفيد بذلك علما ، وهو سبحانه العالم بما يكون منهم في ذلك قبل كونه ، فمن المنزهة في زعمهم من يقول : إن اللّه لا يستفيد من ذلك علما ، فإنه لا يعلم الأمر من حيث ما هو واقع من فلان على التعيين ؛ فرد كلام اللّه وتأوله ، إذ خاف من وقوع الأذى به لذلك ، ومن الظاهرية من التزم أنه يعلم بذلك الاختبار وقوفا عند هذا اللفظ ، ومن الناس من صرف ذلك إلى تعلق العلم به عند الوقوع ، فالعلم قديم والتعلق حادث ، ومن المؤمنين من سلّم علم ذلك إلى اللّه وآمن به من غير تأويل معين ، وهذا هو أسلم ما يعتقد ، وهذا كله ابتلاء من اللّه لعباده الذين ادعوا الإيمان به بألسنتهم
« الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ »
المجاهدة مشقة وتعب ، وبها سمي الجهاد جهادا ، والمجاهدة حمل النفس على المشاق البدنية ، المؤثرة في المزاج وهنا وضعفا ، وأعظم المشاق إتلاف المهج في سبيل اللّه ، وهو الجهاد في سبيل اللّه ، فابتلاهم أولا بما كلفهم ، واستخدمهم بما ابتلاهم حتى يعلم المجاهدين من عباده والصابرين ، ويبلو أخبارهم بقوله :
« وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ »
فإذا عملوا ابتلى أعمالهم ، هل عملوها لخطاب الحق أو عملوها لغير ذلك ؟ فجعل الحق الابتلاء سبب حصول هذا العلم ، وما هو سبب حصول العلم ، وإنما هو سبب إقامة الحجة ، حتى لا تكون للمحجوج حجة يدفع بها . واعلم أن البلاء في الدنيا نعمة معجلة من اللّه تعالى على عباده المؤمنين ، والبلاء على قدر المراتب عند اللّه تعالى ، وجاء في الأثر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : [ ما ابتلى اللّه أحدا من الأنبياء بمثل ما ابتليت به ] .

[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 32 إلى 33 ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ( 32 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ( 33 ) تفيد هذه الآية أن الشروع في العبادة ملزم ، فإنه عهد عهده مع اللّه بلا شك ، فبالأولية كان مختارا ، وفي التلبس مضطرا ، ومن أوفى بما عاهد عليه اللّه .