تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
نوعا واحدا فإنه يختلف باختلاف أمزجة الشاربين ، وهو استعدادهم ، فمن الناس من يكون مشروبه عسلا بحسب الصورة التي يتجلى فيها العلم ، فإن هذه الأصناف صور علوم مختلفة ، ودليلنا على ما قلناه إنها علوم ، رؤيا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه قال : [ أريت كأني أوتيت بقدح لبن فشربت منه ، حتى رأيت الري يخرج من أظفاري ، ثم أعطيت فضلي عمر ، قالوا : فما أولته يا رسول اللّه ؟ قال : العلم ] فهذا علم تجلى في صورة لبن ، كذلك تتجلى العلوم في صور المشروبات ، ولما كانت الجنة دار الرؤية والتجلي ، وما ذكر اللّه فيها سوى أربعة أنهار : أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ، علمنا قطعا أن التجلي العلمي لا يقع إلا في أربع صور : ماء ولبن وخمر وعسل ، ولكل تجل صنف مخصوص من الناس ، وأحوال مخصوصة في الشخص الواحد ، فنهر الماء الذي غير آسن أي غير متغير يعطي علم الحياة قال تعالى :
( وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ )
وكذلك هذا العلم الذي يعطيه هذا الماء تحيا به القلوب ، ونهر الخمر هو علم الأحوال ، وهو صورة للعلم الإلهي الذوقي الذي تمجه العقول من جهة أفكارها ، ولا يقبله إلا الإيمان ، فأنهار الخمر تعطي معارف عنها السرور والابتهاج والفرح وإزالة الغموم ، والتجريد من الكم والكيف والهياكل الظلمانية ، والتنزه عن ملاحظة الأكوان الجسمية والجسمانية ، فهو سرور بالعلم بالكمال ، ونهر العسل هو علم الوحي على ضروبه ، ونهر اللبن هو علم الأسرار والفطرة واللب الذي تنتجه الرياضات والمجاهدات والتقوى ، فيحصل للإنسان من العلوم في كل جنة من جنات الاختصاص والإرث والعمل بحسب حقيقة تلك الجنة ، وبحسب مأخذ النشآت منه ، فإنها تختلف مآخذها وتختلف العلوم وتختلف الجنات ، فتختلف الأذواق .

[ سورة محمد ( 47 ) : آية 16 ]

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ( 16 ) الطبع النقش الذي يكون في الختم ، والختم هو القفل .

[ سورة محمد ( 47 ) : آية 17 ]

وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ ( 17 )
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 136 | ابن عربي / محمود محمود الغراب