تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
بالتقليد في التوحيد ، لأن الأمر لا يتعلق بمن يعطيه الدليل ذلك ، إلا أن يكون متعلق الأمر الاستدلال ، لا التعريف على طريق التسليم ، أو الاستدلال بالتنبيه على موضع الدلالة ، مثل قوله :
( إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ )
وكقوله :
( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا )
لذلك نقول : إن العلم باللّه له طريقان : طريق يستقل العقل بإدراكه قبل ثبوت الشرع ، وهو يتعلق بأحديته في ألوهته ، وأنه لا شريك له ، وما يجب أن يكون عليه الإله الواجب الوجود ، وليس له تعرض إلى العلم بذاته تعالى ، ومن تعرض بعقله إلى معرفة ذات اللّه فقد تعرض لأمر يعجز عنه ، ويسيء الأدب فيه ، وعرّض نفسه لخطر عظيم ، وهذا الطريق هو الذي قال فيه الخليل إبراهيم عليه السلام لقومه
( أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ )
فنبههم على أن العلم باللّه من كونه إلها واحدا في ألوهته من مدركات العقول ، فما أحالهم إلا على أمر يصح منه أن ينظر ، فيعلم بنظره ما هو الأمر عليه ، والطريق الآخر طريق الشرع بعد ثبوته ، فأتى بما أتى به العقل من جهة دليله ، وهو إثبات أحدية خالقه وما يجب له عزّ وجل ، والمسلك الآخر من العلم باللّه العلم بما هو عليه في ذاته ، فوصفه بعد أن حكم العقل بدليله بعصمته فيما ينقله عن ربه من الخبر عنه سبحانه مع
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
وأن لا يضرب له مثل ، بل هو الذي يضرب الأمثال ، لأنه يعلم ونحن لا نعلم ، فنسب إليه تعالى أمورا لا يتمكن للعقل من حيث دليله أن ينسبها إليه ، ولا يتمكن له ردها على من قام الدليل العقلي عنده على عصمته ، فأورثه ذلك حيرة ، فمن العقلاء من تأول تأويل تنزيه وتأييد ، وعضد تأويله ب
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
و
( ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ )
ومن العقلاء من سلم علم ذلك إلى من جاء به أو إلى اللّه ، ومن العقلاء من أهل اللسان من شبّه ، وعذر اللّه كل طائفة ، وما طلب من عباده في حقه إلا أن يعلموا أنه إله واحد ، لا شريك له في ألوهته لا غير ، وأن له الأسماء الحسنى بما هي عليه من المعاني في اللسان ، وقرن النجاة والسعادة بمن وقف عندما جاء من عنده عزّ وجل في كتبه وعلى ألسنة رسله عليهم السلام ، ولا شك أن للّه عبادا عملوا على إيمانهم ، وصدقوا اللّه في أحوالهم ، ففتح اللّه أعين بصائرهم وتجلى لهم في سرائرهم ، فعرفوه على الشهود ، وكانوا في معرفتهم تلك على بصيرة وبينة بشاهد منهم ، فعليك بعبادة اللّه التي جاء بها الشرع وورد بها السمع ، ولا تكفر بما أعطاك دليلك المؤدي إلى تصديقه ، ومن أراد أن يعرف لباب التوحيد فلينظر في الآيات الواردة في التوحيد في