تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
من المصاحف ، فلا يبقى مترجم يقبل نزول القرآن عليه من قوله تعالى :
( الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ )
فإذا بقيت صورة جسم الإنسان مثل أجسام الحيوان ، وزالت الصورة الإلهية بالتجريد ، وهي صورة الإنسان الكامل الذي قال فيه الحق [ إن اللّه خلق آدم على صورته ] نفخ في الصور ، فصعق من في السماوات والأرض إلى يوم النشور ، وهو يوم الظهور ، الذي لا ضد له ، وأما قوله تعالى :
« وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ »
يحتمل أن تكون الملائكة ، ويحتمل أن تكون الأرواح
« وَمَنْ فِي الْأَرْضِ »
فالصعق يقع على من في السماوات والأرض ، بما في ذلك أرواح البشر التي سبق أن فارقت الأجساد ، فيصعق العالم أصحاب السماع
« إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ »
من خلقه ومن هذه الأرواح ، لذلك لم يكن الأجل المسمى في قوله تعالى :
( وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ )
هو الموت ، لأنه استثنى لا يصعقون فلا يموتون ، فإما أن يكونوا على حقائق لا تقبل الموت ، فيكون استثناء منقطعا ، وإما أن يكونوا على مزاج يقبل الموت ولكن لم يسمعوا النفخ ، فلم يدركهم فلم يصعقوا ، فيكون استثناء متصلا
« ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى »
فثنّى النفخ ، وتسمى نفخة البعث ونفخة الفزع ، فيفيقون ويفزعون إلى ربهم ، والملائكة ليست لهم آخرة ، فإنهم لا يموتون فيبعثون ، ولكن صعق وإفاقة
« فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ »
- بحث في الصور - سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن الصور : ما هو ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : [ هو قرن من نور ألقمه إسرافيل ] فأخبر أن شكله شكل القرن ، فوصف بالسعة والضيق ، فإن القرن واسع ضيق ، ولتعلم أن اللّه سبحانه إذا قبض الأرواح من هذه الأجسام الطبيعية - حيث كانت - والعنصرية ، أودعها صورا جسدية في مجموع هذا القرن النوري ، فجميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ من الأمور ، إنما يدركه بعين الصورة التي هو فيها في القرن وبنورها ، وهو إدراك حقيقي ، ومن الصور هنالك ما هي مقيدة عن التصرف ، ومنها ما هي مطلقة كأرواح الأنبياء كلهم وأرواح الشهداء ، ومنها ما يكون لها نظر إلى عالم الدنيا في هذه الدار ، ومنها ما يتجلى للنائم في حضرة الخيال التي هي فيه ، وهو الذي تصدق رؤياه أبدا ، وكذلك قوم فرعون يعرضون على النار في تلك الصور غدوة وعشية ، ولا يدخلونها ، فإنهم محبوسون في ذلك القرن وفي تلك الصورة ، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب ، وهو العذاب المحسوس لا المتخيل ، الذي كان لهم في حال موتهم بالعرض ، وكل إنسان في البرزخ مرهون بكسبه محبوس في صور