« لَئِنْ أَشْرَكْتَ »
وقد علم أنه صلّى اللّه عليه وسلم لا يشرك ، فالمقصود من أشرك من أمته فهذه صفته ، فإنه المخاطب والمقصود أمته ، وهذا مثل قولهم : إياك أعني فاسمعي يا جارة ، فإنه معلوم أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وهو على بينة من ربه في مآله ، فعلمنا بقرائن الأحوال أنه المخاطب ، والمراد غيره لا هو ، والوحي كان قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولم يجيء خبر إلهي أن بعده وحيا ، كما ذكر في هذه الآية ولم يذكر وحيا بعده ، وإن لم يلزم هذا فسبيل الوحي انقطع بموت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم
« لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ »
كسائر العبادات من الصوم والصلاة ، لم يكن ذلك مشروعا لعدم الشرط المصحح وهو الإيمان .
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 66 إلى 67 ]
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 ) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 67 )
[ القبضة واليمين ]
« ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
لما كان الأمر العظيم يجهل قدره ولا يعلم ويعز الوصول إليه ، تنزلت الشرائع بآداب التوصل فقبلها أولو الألباب ، قالت اليهود في الخبر النبوي المشهور ، من كون الحق يضع الأرض يوم القيامة على إصبع ، والسماوات على إصبع - الحديث - فقرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلم هذه الآية
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » « وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
اعلم أن كل جسم أرض لروحه ، وما ثمّ إلا جسم وروح ، غير أن الأجسام على قسمين : عنصرية ونورية ، وهي أيضا طبيعية ، فربط اللّه وجود الأرواح بوجود الأجسام ، وبقاء الأجسام ببقاء الأرواح ، فالأرواح تابعة للأجسام ليست الأجسام تابعة للأرواح ، فإذا قبض على الأجسام فقد قبض على الأرواح فإنها هياكلها ، فأخبر أن الكل قبضته ليستخرج ما فيها ، ليعود بذلك عليها ، وهو قوله تعالى : ( واللّه بكل شيء محيط ) ومن أحاط بك فقد قبض عليك ، لأنه ليس لك منفذ مع وجود الإحاطة - القبضة واليمين - نظر العقل بما يقتضيه الوضع ، أنه منع أولا أن يقدر قدره ، لما يسبق إلى العقول