تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
الضعيفة من التشبيه والتجسيم ، عند ورود الآيات والأخبار التي تعطي من وجه ما من وجوهها ذلك ، ثم قال بعد هذا التنزيه الذي لا يعقله إلا العالمون
« وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ »
عرفنا من وضع اللسان العربي أن يقال : فلان في قبضتي ، يريد أنه تحت حكمي . وإن كان ليس في يدي منه شيء البتة ، ولكن أمري فيه ماض وحكمي عليه قاض ، مثل حكمي على ما ملكته يدي حسا وقبضت عليه ، وكذلك أقول : مالي في قبضتي ، أي في ملكي وأني متمكن في التصرف فيه ، أي لا يمنع نفسه مني ، فإذا صرفته ففي وقت تصرفي فيه ، كان أمكن لي أن أقول : هو في قبضتي ، لتصرفي فيه ، وإن كان عبيدي هم المتصرفون فيه عن إذني ، فلما استحالت الجارحة على اللّه تعالى ، عدل العقل إلى روح القبضة ومعناها وفائدتها ، وهو ملك ما قبضت عليه في الحال وإن لم يكن لها ، أعني للقابض فيما قبض عليه شيء ، ولكن هو في ملك القبضة قطعا ، فهكذا العالم في قبضة الحق تعالى
« وَالْأَرْضُ »
في الدار الآخرة تعيين بعض الأملاك ، كما تقول : خادمي في قبضتي ، وإن كان خادمي من جملة من في قبضتي ، فإنما ذكرته اختصاصا لوقوع نازلة « واليمين » عندنا محل التصريف المطلق القوي ، فإن اليسار لا يقوى قوة اليمين ، فكنى باليمين عن التمكن في الطي ، فهي إشارة إلى تمكن القدرة من الفعل ، فوصل إلى إفهام العرب بألفاظ تعرفها وتسرع بالتلقي لها ، قال الشاعر :
إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين
وليس للمجد راية محسوسة ، فلا تتلقاها جارحة يمين ، فكأنه يقول : لو ظهر للمجد راية محسوسة ، لما كان محلها أو حاملها إلا يمين عرابة الأوسي ، أي صفة المجد به قائمة وفيه كاملة ، فلم تزل العرب تطلق ألفاظ الجوارح على ما لا يقبل الجارحة لاشتراك بينهما من طريق المعنى .

[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 68 ]

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 )

[ بحث في الصور ]

لا يزال كلام اللّه من حين نزوله يتلى حروفا وأصواتا إلى أن يرفع من الصدور ويمحى