[ جنب اللّه ]
النفس عند العرب تذكر وتؤنث ، كما قال تعالى :
« أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى »
الآية ، فأنث ، فقال
( بَلى قَدْ جاءَتْكَ )
بكاف مكسورة خطاب المؤنث
( آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها )
بتاء مفتوحة خطاب المذكر والعين واحدة
« أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ »
فتعلم ما فاتها من الإيمان بالرسول واتباع سنّته ، فإنه إذا كانت الصورة التي يتجلى فيها الحق هي ظلة غمام الشريعة ، فرأسها كتاب اللّه ، وجنبها سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومما يدل على ذلك قوله تعالى
( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ )
مع قوله في أثناء السورة
( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ )
فعلم أنه كتاب اللّه وكذا سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، فلما مهد الأمر بالمتابعة لكتابه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم حذر من إتيان عذابه قبل ذلك ومن قول النفس
« يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ »
وذلك كالصريح في أن الجنب هو سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم . والجنب جنبان : جنب حسي وجنب معنوي حقيقي ، وقد روى أبو عبد اللّه الحكيم الترمذي بسنده إلى عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم يجلسه اللّه معه على العرش ، وذلك يتخرج على أن الصورة التي يتجلى اللّه تعالى فيها ظلة غمامة ، وهي أنوار آياته ، وفي تلك الصورة يتجلى على العرش ، ونبينا صلّى اللّه عليه وسلم يتجلى لأمته في ظل سنته ، وكتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم لا يفترقان ، كما لا تفارق لا إله إلا اللّه ، محمد رسول اللّه ، فمن هاهنا صحت المجالسة له مع ربه على عرشه ، ووضح بهذا حسرة النفوس التي شقيت بمخالفته على تفريطها في جنب اللّه تعالى ، لأنها تشهد هنالك حقيقة معية ربه له تعالى ومجالسته . ولأنهم كانوا يسخرون من الذين آمنوا في اتباعهم لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، أردفت حسرتها بقولها
« وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ »
وبقولها :
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 57 إلى 58 ]
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 )
فرد اللّه عليها بقوله :