تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
الأمر فيه وراجع إليه ، فليحذر أن يقول : إنه في الكون الخارج لا محالة ، فيثبت عند المحققين محاله ، ومن لم يفرق بين نفسه وغيره ، فلا يميز بين شره وخيره ، فهذا سبب وضع الشرع ، الموافق للعقل والطبع .

[ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 26 إلى 27 ]

ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 26 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ ( 27 )

[ سبب زرقة السماء ، وأثر البعد في التلوين العارض ]

إن الزرقة التي ننسبها إلى السماء ونصفها بها فتلك اللونية لجرم السماء لبعدها عنك في الإدراك البصري ، كما ترى الجبال إذا بعدت عنك زرقا ، وليس الزرقة إلا لبعدها عن نظر العين ، كما ترى الجبل البعيد عن نظرك أسود ، فإذا جئته قد لا يكون كما أبصرته ، فإن الألوان على قسمين : لون يقوم بجسم المتلون ، ولون يحدث للبصر عند نظره إلى الجسم لأمر عارض يقوم بين الرائي والمرئي ، مثل هذا ومثل الألوان التي تحدث في المتلون باللون الحقيقي ، لهيئات تطرأ فيراها الناظر على غير لونها القائم بها الذي يعرفه .

[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 28 ]

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ( 28 ) الخشية من خصائص العلماء باللّه المرضي عنهم المطلوب منهم الرضى ، قال تعالى :
( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ )
فالخشية من صفات العلم الذي يعطي الخشية اللازمة له ، وعلى قدر العلم بها تكون الخشية المنسوبة إلى العالم ، فالعلم يورث الخشية والخشية تعطي الخشوع ، وهذه صفة العلماء العارفين باللّه ، لعلمهم بأنه يعلم حركاتهم وسكناتهم على التعيين والتفصيل ، وكل عالم عندنا لم تظهر عليه ثمرة علمه ولا حكم عليه علمه فليس بعالم ، وإنما هو ناقل ، وأتمم اللّه هذه الآية بقوله :
« إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ »
وعزته
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 453 | ابن عربي / محمود محمود الغراب